كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة النفوذ العالمي؟

تاريخ النشر : الثلاثاء 11:44 23-6-2026
د. احمد زهير ارجوب

لم تعد القوة في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانات العسكرية أو حتى باحتياطيات النفط والغاز. فالعالم يشهد اليوم تحوّلاً تاريخياً عميقاً تُعاد خلاله صياغة موازين القوى على أساس جديد عنوانه التكنولوجيا، فيما أصبح الذكاء الاصطناعي تحديداً أحد أهم أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في العصر الحديث.وإذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد منحت الأفضلية للدول التي امتلكت المصانع والموارد الطبيعية، فإن الثورة الرقمية الحالية تمنح الأفضلية للدول التي تمتلك المعرفة والبيانات والخوارزميات والقدرة على تطوير التقنيات المتقدمة. ولهذا لم يعد السؤال المطروح بين القوى الكبرى: من يملك السلاح الأقوى؟ بل أصبح: من يملك الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً؟

هذا التحول لا يقتصر على الدول الكبرى وحدها، بل يفتح الباب أمام دول متوسطة وصاعدة لإعادة تموضعها على الخريطة الدولية من خلال الاستثمار الذكي في التكنولوجيا والابتكار. وفي هذا السياق، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لتشكيل نظام عالمي جديد تلعب فيه التكنولوجيا الدور الذي لعبه النفط خلال القرن الماضي.لقد أدركت الحكومات حول العالم أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية لتحسين الأداء، بل أصبح جزءاً من البنية الاستراتيجية للدولة. فالتقنيات الذكية باتت تدخل في إدارة المدن، وتحسين الخدمات الحكومية، ورفع كفاءة الأنظمة الصحية، وتطوير التعليم، وتعزيز الأمن، وإدارة الموارد والطاقة.

ولعل ما يميز هذه المرحلة أن الذكاء الاصطناعي لا يعزز كفاءة المؤسسات فحسب، بل يمنح الدول قدرة أكبر على اتخاذ القرار المبني على البيانات. ففي عالم يتدفق فيه كم هائل من المعلومات يومياً، تصبح القدرة على تحليل البيانات واستخلاص الأنماط والتنبؤ بالأحداث ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن امتلاك الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي.ومن هنا نشهد سباقاً عالمياً محموماً بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وعدد من القوى الصاعدة للاستثمار في مراكز الحوسبة العملاقة وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية والكوادر البشرية المتخصصة. فالدول تدرك أن من يسيطر على هذه التقنيات سيملك جزءاً كبيراً من مفاتيح الاقتصاد العالمي مستقبلاً.لكن التأثير الأهم للتكنولوجيا لا يقتصر على تعزيز أداء المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى بناء اقتصادات جديدة بالكامل. فالدول التي تمتلك القدرة على تطوير منتجات وخدمات تكنولوجية متقدمة تستطيع خلق مصادر دخل مستدامة ذات قيمة مضافة مرتفعة، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الموارد الخام أو القطاعات منخفضة الإنتاجية.

لقد أصبحت البرمجيات والخدمات الرقمية والأنظمة الذكية من أكثر الصادرات نمواً في العالم. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الرقمي بات يمثل نسبة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول المتقدمة والناشئة على حد سواء. فشركات التكنولوجيا الكبرى لم تعد مجرد شركات تجارية، بل أصبحت مؤسسات تمتلك تأثيراً اقتصادياً وسياسياً عالمياً يتجاوز أحياناً تأثير بعض الدول.وتبرز هنا أهمية الاستثمار في البحث العلمي وريادة الأعمال والابتكار، لأن القيمة الاقتصادية الحقيقية في المستقبل لن تكون مرتبطة فقط بتصنيع الأجهزة، بل بامتلاك المعرفة التي تدير هذه الأجهزة. فالشركات التي تطور الخوارزميات والمنصات والأنظمة الذكية تحقق عوائد تفوق بكثير قيمة المواد الخام المستخدمة في إنتاجها.

وفي الوقت نفسه، فإن المنافسة التكنولوجية المتصاعدة تحمل وجهاً آخر أكثر حساسية يتمثل في البعد العسكري والأمني. فكما شهد القرن الماضي سباقاً نحو امتلاك الأسلحة النووية، يشهد العالم اليوم سباقاً نحو تطوير أسلحة وأنظمة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.فالطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل، وأنظمة الدفاع الذكية، وقدرات الحرب السيبرانية، ومنصات المراقبة والتحليل الفوري للبيانات أصبحت عناصر أساسية في العقائد العسكرية الحديثة. وقد أظهرت العديد من النزاعات الأخيرة كيف يمكن للتكنولوجيا أن تغيّر طبيعة الحروب بشكل جذري، حيث أصبحت الخوارزميات والبرمجيات أحياناً أكثر تأثيراً من بعض أنواع الأسلحة التقليدية.ويحذر عدد من الخبراء من أن الذكاء الاصطناعي قد يخلق تحديات غير مسبوقة تتعلق بالأمن الدولي، خاصة مع تطور الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة في البيئات القتالية. ولهذا السبب تتزايد الدعوات الدولية لوضع أطر تنظيمية وأخلاقية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية قبل أن تتجاوز التطورات التقنية قدرة التشريعات على مواكبتها.

وفي النهاية، يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة تتغير فيها قواعد النفوذ والقوة بشكل متسارع. فالتكنولوجيا لم تعد قطاعاً اقتصادياً منفصلاً، بل أصبحت العمود الفقري للاقتصاد والسياسة والأمن والمجتمع. والدول التي تنجح في امتلاك أدوات الثورة الرقمية ستتمكن من تعزيز مكانتها الدولية وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وحماية مصالحها الاستراتيجية.أما الدول التي تتأخر في هذا السباق، فقد تجد نفسها مستقبلاً في موقع المستهلك للتكنولوجيا بدلاً من صانعها. وبين هذين المسارين تتحدد ملامح النظام العالمي القادم. والسؤال الذي سيبقى مطروحاً خلال السنوات المقبلة ليس من يملك الموارد الأكبر، بل من يملك القدرة الأفضل على تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى قوة حقيقية تصنع المستقبل.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }