رياضة

الأرجنتين.. آخر محطات النشامى في مونديال 2026

الخسارة أمام الجزائر تكشف حدود التجربة وأهمية الخبرة

باتت مباراة الأرجنتين يوم الأحد المقبل آخر محطات المنتخب الوطني لكرة القدم في مشاركته التاريخية الأولى في بطولات كأس العالم.

هذه المواجهة المقررة عند الخامسة صباحاً على ستاد دالاس، لحساب الجولة الثالثة والأخيرة من منافسات المجموعة العاشرة في بطولة كأس العالم 2026، ستعلن طي صفحة حضور النشامى في هذا المونديال، ولن تغيّر نتيجتها شيئاً في مصيره، إذ تسببت الخسارة أمس أمام الجزائر 1-2 على ستاد سان فرانسيسكو باي إيريا، في إيقاف مشواره عند حاجز الدور الأول رسمياً، بعد بقاء رصيده خالياً من النقاط إثر الخسارة التي تعرض لها أمام النمسا 1-3 أيضاً في الجولة الأولى.

وبينما ستكون الجولة الثالثة وداعية للنشامى، فإنها ستحمل في الوقت ذاته عناوين مثيرة لبقية المنافسين، أبرزها دخول التانغو الأرجنتيني إليها بهدف الحفاظ على الصدارة، إلى جانب صراع البقاء بين الجزائر والنمسا، سواء بالظفر بالمركز الثاني أو انتظار حسابات التأهل ضمن أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث.

ورغم أن نتائج الجولتين الأوليين أنهت آمال المنتخب الوطني في المنافسة على إحدى بطاقات التأهل إلى الدور التالي، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية التجربة التي يخوضها النشامى في كأس العالم، فالمشاركة بحد ذاتها تمثل خطوة تاريخية في مسيرة الكرة الأردنية وفرصة نادرة للاحتكاك بأفضل المدارس الكروية في العالم.

وتبقى المباراة الأخيرة أمام الأرجنتين محطة بالغة الأهمية، ليس فقط لأنها ستكون الظهور الختامي للنشامى في النسخة الحالية من كأس العالم، بل لأنها مواجهة أمام منتخب يعد أحد أبرز عمالقة اللعبة، وحامل لقب النسخة الأخيرة من المونديال، ويضم بين صفوفه نخبة من اللاعبين أصحاب الخبرة والإنجازات العالمية.

ومن هنا، فإن لقاء الأرجنتين يجب أن يُنظر إليه باعتباره درساً جديداً من دروس المونديال، وفرصة إضافية لاكتساب الخبرة والاحتكاك المباشر مع أبطال العالم، وهي مكاسب قد تكون أكثر قيمة على المدى البعيد من أي نتيجة آنية.

ويتصدر المنتخب الأرجنتيني، بطل نسخة 2022، الترتيب برصيد 6 نقاط من فوزين على الجزائر 3-0 والنمسا 2-0، ويليه منتخب النمسا بثلاث نقاط من فوزه على النشامى، ثم الجزائر بثلاث نقاط كذلك، فيما يحتل المنتخب الوطني المركز الرابع.

ويتأهل إلى دور الـ32 صاحبا المركزين الأول والثاني من المجموعات الـ12، إلى جانب أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث.

اختبار حقيقي آخر

ودخل المنتخب الوطني لقاء الجزائر ضمن منافسات مجموعة تعد من أقوى مجموعات البطولة، ضمت إلى جانبه منتخبات الجزائر والأرجنتين والنمسا، وهي منتخبات تمتلك سجلاً حافلاً وخبرات كبيرة على الساحة الدولية، ما جعل من رحلة النشامى في هذه المجموعة اختباراً حقيقياً لقدرات الفريق وإمكاناته.

واعتمد المدير الفني جمال السلامي على التشكيلة الأساسية التي ضمت يزيد أبو ليلى في حراسة المرمى، وأمامه كل من إحسان حداد وعبدالله نصيب ويزن العرب وحسام أبو ذهب، فيما تولى مهند أبو طه ونزار الرشدان ونور الروابدة ومحمود المرضي أدوار الوسط، إلى جانب موسى التعمري وعلي علوان في المقدمة.

ومن الناحية الفنية، ظهر المنتخب الوطني بأسلوب متوازن سعى من خلاله إلى المحافظة على الانضباط الدفاعي واستغلال المساحات في التحولات السريعة نحو الهجوم، بينما اعتمد المنتخب الجزائري على الاستحواذ والتحكم بإيقاع اللعب والاستفادة من الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها لاعبوه في البطولات الكبرى.

خسارة تكشف الحقائق

بقدر ما حملت مشاركة المنتخب من فخر وفرح للأردنيين، بقدر ما حملت لحظة «الخروج» من الدور الأول شيئاً من الحسرة على فرصة كانت تبدو ممكنة قبل أن تتبدد أمام واقع المنافسة العالمية الصعبة.

ففي أول ظهور للنشامى على مسرح كأس العالم، لم يكن الهدف مجرد المشاركة، بل إثبات القدرة على مقارعة الكبار وترك بصمة تليق بحلم انتظرته الجماهير لعقود طويلة. وبين لحظات التألق وبعض الفترات الصعبة، قدم منتخب النشامى صورة مشرّفة في العديد من المحطات، لكنه اصطدم في النهاية بحقائق كرة القدم العالمية التي لا ترحم الأخطاء مهما كان حجمها، ولا تمنح الوقت الكافي للتعلم أثناء البطولة.

مواجهة الجزائر جاءت لتلخص الكثير من أسباب فقدان المنتخب فرصة المنافسة على إحدى بطاقات التأهل إلى دور الـ32، بعدما كشفت الفوارق التي لا تظهر دائماً في النتيجة النهائية فقط، بل في التفاصيل الفنية والبدنية والتكتيكية التي تصنع الفارق بين البقاء والمغادرة.

دخل المنتخب المباراة بتنظيم دفاعي جيد ورغبة واضحة في الحد من خطورة المنافس، ونجح لفترات طويلة في تنفيذ هذا النهج، إلا أن المشكلة الأساسية لم تكن في بداية اللقاء الذي شهد تقدم النشامى عندما خطف الرشدان هدف ممتع منح المنتخب التقدم، بل في القدرة على المحافظة على المستوى ذاته مع مرور الوقت.

مع دخول الشوط الثاني بدأت المسافات بين الخطوط تتسع، وتراجع الفريق إلى مناطقه الدفاعية بشكل مبالغ فيه، ما منح المنتخب الجزائري فرصة السيطرة على الإيقاع وفرض أسلوبه على مجريات المباراة.

ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها اللاعبون، فإن المنتخب افتقد في العديد من اللحظات إلى الحلول الهجومية المتنوعة، واعتمدت أغلب المحاولات الخطرة على القدرات الفردية لبعض اللاعبين، وفي مقدمتهم موسى التعمري الذي حاول مراراً صناعة الفارق، لكنه وجد نفسه معزولاً في كثير من الأوقات أمام دفاع منظم وضغط متواصل وفاقداً للمتعة، في ظل غياب الإسناد الكافي خلال التحولات الهجومية.

كما أظهرت البطولة بشكل عام أن المنتخب لا يزال بحاجة إلى مزيد من العمق في دكة البدلاء، فالمنافسات العالمية تتطلب قدرة على تغيير شكل المباراة من خلال البدلاء والحلول التكتيكية المختلفة، وهو ما بدا محدوداً مقارنة بالمنتخبات التي تمتلك خيارات عديدة في مختلف المراكز.

وعلى صعيد الجهاز الفني، لا يمكن تحميل المدرب المسؤولية كاملة عن الخروج، لكنه في الوقت نفسه لم يكن موفقاً بالقدر الكافي في بعض المحطات الحاسمة، فالتأخر في إجراء بعض التبديلات ونوعية تلك التبديلات ومراكزها الصحيحة، وعدم إيجاد حلول فعالة عند فقدان السيطرة على وسط الملعب، إضافة إلى التمسك أحياناً بأسلوب لعب دفاعي لفترات طويلة، كلها عوامل ساهمت في تقليص فرص المنتخب في العودة إلى أجواء المنافسة خلال المباريات.

وكان واضحاً أن الفريق احتاج في بعض اللحظات إلى جرأة أكبر في قراءة مجريات اللقاءات، وإلى مرونة تكتيكية تسمح له بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم بصورة أسرع وأكثر فاعلية، فالمونديال بطولة تختلف عن التصفيات القارية، وتحتاج إلى قرارات سريعة وخبرات تراكمية لا تُكتسب إلا من خلال الاحتكاك المستمر بمثل هذه المستويات.

ومن الأسباب الأخرى التي ساهمت بخروج النشامى من المنافسة والاستمرار، الفارق البدني الذي ظهر أمام النمسا والجزائر خلال النصف الثاني من المباريات؛ ففي الوقت الذي حافظت فيه المنتخبات المنافسة على نسقها المرتفع، عانى النشامى أحياناً من تراجع القدرة على الضغط واستعادة الكرة، ما سمح للخصوم بفرض سيطرتهم وصناعة فرص أكثر خطورة.

ورغم كل ذلك، فإن تقييم المشاركة يجب ألا يكون قاسياً أو متسرعاً، فالمنتخب الذي وصل إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه لم يذهب للسياحة الكروية، بل قدم مباريات أظهر خلالها شخصية قتالية وروحاً عالية، ونال احترام كثير من المتابعين والمحللين، كما أن مجرد الوقوف بين أفضل منتخبات العالم يمثل خطوة تاريخية في مسيرة الكرة الأردنية.

اليوم، ربما يشعر الأردنيون بالحزن لأن الحلم كان قريباً من التمدد إلى الدور التالي، لكن هذه الحسرة يجب أن تتحول إلى دافع للمستقبل، فالمنتخبات الكبيرة لم تصل إلى مكانتها بين ليلة وضحاها، بل بنت نجاحاتها من خلال تجارب مشابهة، بعضها انتهى بخيبات مؤلمة قبل أن يتحول إلى إنجازات خالدة.

لقد غادر النشامى كأس العالم، لكنهم لم يغادروا قلوب جماهيرهم، خرجوا من البطولة برؤوس مرفوعة، بعدما فتحوا باباً جديداً لكرة القدم الأردنية وأثبتوا أن الوصول إلى المونديال لم يكن مصادفة، وما حدث في هذه النسخة يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة عنوانها التعلم والتطوير والاستعداد الأفضل للمستقبل.

السلامي: كنا قريبين من الفوز

لم يُخفِ مدرب النشامى جمال السلامي شعوره بالحسرة بعد الخسارة أمام الجزائر (1-2)، مؤكدًا أن النشامى كانوا قريبين من تحقيق نتيجة إيجابية قبل أن تنقلب الأمور في الشوط الثاني. وقال السلامي في المؤتمر الصحفي عقب المباراة: «قدمنا شوطًا أول جيدًا ونجحنا في تنفيذ ما خططنا له، لكن التفاصيل الصغيرة صنعت الفارق في النهاية»، مضيفًا أن المنتخب واجه منافسًا يمتلك خبرة كبيرة وقدرة على استغلال الأخطاء.

حديث السلامي حمل قدرًا من الواقعية، لكنه في الوقت ذاته أعاد طرح تساؤلات فنية حول أسباب تراجع المنتخب بعد التقدم بالنتيجة، فالنشامى نجحوا في الوصول إلى الشباك الجزائرية وإرباك المنافس خلال فترات من اللقاء، إلا أن الفريق بدا أقل قدرة على إدارة المباراة بعد الهدف، وهو ما سمح للجزائريين بالعودة تدريجيًا وفرض أفضليتهم.

المدرب أشار أيضا إلى أن فريقه «دفع ثمن بعض الأخطاء وعدم التركيز في لحظات حاسمة»، وهي نقطة تبدو منطقية بالنظر إلى الكيفية التي استقبل بها المنتخب هدفي الجزائر، إلا أن المتابعين رأوا أن التراجع الدفاعي المبالغ فيه منح المنافس مساحة أكبر للسيطرة، في وقت كان فيه المنتخب بحاجة إلى الاحتفاظ بالكرة والخروج من مناطقه لتخفيف الضغط.

ومن داخل غرفة الملابس، عبّر عدد من اللاعبين عن خيبة أملهم لعدم المحافظة على التقدم، ووصفوا أن الفريق «قاتل من أجل النتيجة وكان يؤمن بقدرته على الخروج بنقاط المباراة، لكن بعض التفاصيل قلبت المشهد»، فيما أكد آخرون أن الخسارة مؤلمة لأن النشامى كان الطرف الأفضل في فترات مهمة من اللقاء.

ورغم الانتقادات الفنية التي طالت إدارة المباراة، فإن السلامي شدد على أن المنتخب سيستفيد من التجربة، مؤكدا أن «الظهور في كأس العالم يمنح اللاعبين خبرات لا تُقدّر بثمن».

وبين واقعية المدرب ومرارة اللاعبين، تبقى الحقيقة الأبرز أن النشامى كانوا على بعد دقائق من نتيجة تاريخية، قبل أن تضيع أفضلية التقدم وتتحول إلى خسارة كشفت أن الطريق نحو المنافسة العالمية لا يزال يحتاج إلى مزيد من النضج في إدارة المباريات الكبرى.