اليوم، يعيش الأردنيون لحظة من هذا النوع مع الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني، المشارك في كأس العالم. وليس مهماً بعد ذلك إن فاز المنتخب أو خسر. فما تحقق تجاوز حدود الرياضة منذ اللحظة التي أصبح فيها هذا الفريق سبباً في أن يرفع الأردني رأسه بابتسامة وزهو، وأن يشعر ملايين الناس بأنهم ينتمون إلى قصة نجاح تستحق أن تُروى.
ويخطئ كثيراً من يظن أن ما نراه مجرد تشجيع كروي عابر. كرة القدم هنا ليست سوى مناسبة. أما العنوان الحقيقي فهو حاجة الأردنيين إلى الأمل.
الناس يبحثون عن تسعين دقيقة من المتعة. هذا صحيح، لكن الأهم أنهم يطاردون دليلاً يقول لهم إن هذا البلد قادر على الإنجاز، وإن المستقبل ليس مغلقاً، وإن السنوات القادمة قد تحمل ما هو أفضل.
فالإنجاز هو الذي يقود المشاعر، وليست المشاعر هي التي تصنع الإنجاز. هذه قاعدة تكاد تتكرر في كل تجارب النهوض الكبرى. لم تنهض اليابان بعد الحرب العالمية الثانية لأنها طلبت من شعبها أن يكون أكثر وطنية، بل لأن المصانع والجامعات والتكنولوجيا أعطت اليابانيين سبباً يومياً للفخر ببلادهم.
ولم تتحول كوريا الجنوبية من واحدة من أفقر دول العالم إلى قوة صناعية وثقافية لأنها رفعت الشعارات، بل لأنها بنت نموذجاً ناجحاً جعل المواطن يرى ثمرة جهده أمام عينيه. وسنغافورة لم تصنع هويتها الوطنية بخطابات الحماس، وإنما بدولة كفؤة يشعر المواطن أن نجاحها من نجاحه.
في كل هذه التجارب، كانت الوطنية نتيجة للإنجاز، لا بديلاً عنه. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن نتأملها ونحن نعيش فرحة المنتخب. فلا شيء يجمع الأردنيين أكثر من مشروع ناجح. ولا شيء ينعش الناس مثل إنجاز حقيقي و قصة نجاح يشارك الجميع في صناعتها. الأردني بطبيعته لا يبخل على وطنه بالمحبة، لكنه يريد أن يرى أمامه أسباباً جديدة للأمل. يريد أن يشعر بأن البلاد تمضي إلى الأمام، وأن كل مشروع ناجح هو خطوة أخرى نحو الأردن الحلم.
ولعل أجمل ما كشفته هذه المناسبة هو ما رأيناه من أبناء الأردن في الولايات المتحدة ودول الاغتراب. كانت المشاهد المفعمة بالوطنية مدهشة ومؤثرة. مسيرات بالأعلام، واحتفالات، ودموع، وأغانٍ، وشعور جارِف بالانتماء، وكأن آلاف الكيلومترات التي تفصلهم عن وطنهم لم تستطع أن تقلل ذرة واحدة من تعلقهم به.
رأينا في عيونهم حنيناً لا تصنعه مصادفة، ولا تفسره مباراة كرة قدم وحدها. ذلك الخزان البشري الهائل من الأطباء والمهندسين والأكاديميين ورواد الأعمال والمستثمرين ينبغي أن لا نتذكره فقط عندما يفوز المنتخب، بل ينبغي أن يتحول هذا الزخم العاطفي إلى مسارات دائمة للتواصل، والشراكة، والاستثمار، ونقل الخبرات.
فالمشاعر الوطنية، إذا أُحسن استثمارها، تتحول إلى قوة إنتاج. أما إذا تُركت حتى تخبو، فإنها تصبح مجرد ذكرى جميلة ننتظر المناسبة التالية لاستعادتها. وربما هنا تكمن الرسالة الأهم. الأردن لا يحتاج إلى أن يطلب من مواطنيه أن يحبوه أكثر. إنه يحتاج إلى مزيد من الإنجازات التي تجعل هذا الحب يتجدد من تلقاء نفسه.
هنا عاش الأنباط، أولئك الذين لم تمنحهم الطبيعة شيئاً مجاناً، فحفروا مدينتهم في الصخر، وتركوا لنا درساً قدرياً يتجاوز التاريخ: أن هذه هذه البلاد لا تُمنح على طبق من فضة، بل بالكثير من الجد والتعب.
كل أردني، في الداخل أو في الاغتراب، ينتظر إشارة تقول له إن الوطن يمضي إلى الأمام. وان ثمة بلاد حَرية بفخرهم واهتمامهم وحبهم وجهدهم تبدو وشيكة.
لعل أجمل ما صنعه المنتخب، منذ إنجازاته في كأسي العرب وآسيا، وحتى كأس العالم، أنه ذكّرنا جميعاً بحقيقة بسيطة كثيراً ما ننساها: الوطن يكبر كلما أنجز، والإنجاز هو اللغة الوحيدة التي تحيي الأمل وتضع الهدف في مرمى اليأس والإحباط والكسل، وتصنع بلداً بوسع الدنيا ولو صغرت مساحته.