خطوة حكومية متقدمة نحو تطوير تشريعات الأحوال الشخصية للمسيحيين

تاريخ النشر : الاثنين 11:46 22-6-2026
د. يزن دخل الله حدادين

شكّل قرار مجلس الوزراء الأردني في حزيران 2026 بالموافقة على الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لقانون مجالس الطوائف المسيحية، تمهيداً لإحالته إلى ديوان التشريع والرأي، خطوة تشريعية مهمة تعكس حرص الدولة على تطوير الإطار القانوني الناظم لشؤون المواطنين المسيحيين بما يواكب احتياجاتهم وتطلعاتهم. ويهدف المشروع إلى تعزيز وضوح الاختصاصات القضائية للمحاكم الكنسية، وصون حقوق المسيحيين في عدد من المسائل الأسرية الجوهرية، وفي مقدمتها الزواج والطلاق والتبني، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار الأسري وتطوير المنظومة القانونية ضمن إطار الدستور وسيادة القانون.

وتأتي هذه الخطوة بوصفها محطة مهمة تعكس نضج الدولة الأردنية في إدارة تنوعها الديني والاجتماعي، وتؤكد أن الأردن لا يتعامل مع مكوناته الدينية باعتبارها حالات هامشية، بل باعتبارها جزءاً أصيلاً من بنيته التاريخية والدستورية والوطنية. فالمسيحيون في الأردن جزء أصيل من تاريخ الوطن ونسيجه الاجتماعي والثقافي، وأسهموا على امتداد العقود في بناء الدولة الأردنية ومؤسساتها، وكان لهم دور بارز في مسيرة التنمية والتعليم والاقتصاد والخدمة العامة، جنباً إلى جنب مع سائر أبناء الوطن.

إن تنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين ضمن إطار قانوني واضح يمثل ممارسة طبيعية لفلسفة الدولة الأردنية القائمة على احترام الخصوصيات الدينية ضمن سيادة القانون. فالدستور الأردني، بروحه ونصوصه، يقوم على احترام التنوع الديني والاجتماعي وتنظيمه ضمن إطار القانون، ويمنح السلطة التشريعية صلاحية تطوير القوانين بما ينسجم مع حاجات المجتمع ومتغيراته. ومن هنا، فإن بقاء أي قانون أو ممارسة لسنوات طويلة لا يمنحها حصانة أبدية ضد التطوير أو المراجعة، لأن التشريع بطبيعته عملية حية تتطور بتطور المجتمع.

والأهمية الكبرى لهذه الخطوة أنها تعترف بأن الشؤون الدينية والفقهية المسيحية يجب أن تُقرأ من داخل مرجعياتها الكنسية المختصة، لا من خارجها. فالكنائس، بما تملكه من تقاليد روحية وقانونية وفقهية متراكمة، هي الأقدر على تحديد ما ينسجم مع تعاليمها وما يخدم أبناءها. ولا يصح أن يتحول النقاش القانوني حول مشروع تشريعي إلى محاولة لإصدار أحكام قطعية حول ما تقبله المسيحية أو ترفضه دون الرجوع إلى أهل الاختصاص الحقيقيين في هذا المجال.

ومن أبرز المسائل التي تستحق قراءة هادئة مسألة التبني. فالتبني، في العديد من البيئات والتقاليد المسيحية حول العالم، معروف ومقبول ومنظم، ولا يُنظر إليه باعتباره خروجاً على جوهر الإيمان المسيحي، بل باعتباره عملاً إنسانياً وأخلاقياً يقوم على الرحمة والرعاية وحماية الطفل فاقد السند الأسري. ومن ثم فإن تنظيم هذه المسألة قانونياً، ضمن الضوابط الدينية والكنسية والمدنية المناسبة، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تهديداً للقيم، بل باعتباره استجابة إنسانية راقية لحالات واقعية تحتاج إلى حل عادل ورحيم.

إن جوهر المسألة لا يتعلق بفرض تصور على أحد، ولا بانتزاع اختصاص من جهة دينية أو قانونية، بل بتنظيم العلاقة بين المرجعية الكنسية والسلطة التشريعية ضمن إطار الدولة الدستورية. فالكنيسة أدرى بشؤونها الدينية، والدولة أدرى بآليات سن القوانين، والدستور يبقى المرجع الأعلى الذي تنتظم تحته هذه العلاقة. وهذا التوازن هو بالضبط ما يمنح الخطوة الحكومية أهميتها، لأنها تقوم على التوفيق بين الخصوصية الدينية والمصلحة العامة وسيادة القانون.

كما أن تطوير تشريعات الأحوال الشخصية للمسيحيين يعالج حاجة عملية حقيقية. فالأسر المسيحية الأردنية تواجه، كما غيرها من الأسر، تحديات اجتماعية وقانونية متجددة تتعلق بالزواج والانفصال والحضانة والرعاية والتبني وتنظيم الحقوق والواجبات داخل الأسرة. ولا يجوز أن تبقى هذه المسائل معلقة أو خاضعة لاجتهادات متباينة إذا كان بالإمكان وضع إطار قانوني أوضح وأكثر استقراراً وعدالة.

والحكومة، بهذه الخطوة، تقدم نموذجاً في إدارة التنوع يقوم على الاعتراف القانوني المنظم. فاحترام الخصوصية المسيحية لا يعني إنشاء مساحة خارج الدولة، بل يعني إدخال هذه الخصوصية في قلب النظام القانوني الأردني بطريقة واضحة ومحترمة ومنضبطة. وهذا ما يميز الدولة التي تنظر إلى تنوعها بوصفه مصدر قوة وإثراء، وتسعى إلى تنظيمه ضمن منظومة قانونية عادلة ومتوازنة.

كما أن تطوير تشريعات الأحوال الشخصية للمسيحيين لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التعديلات المطروحة حالياً، بل يمكن النظر إليه باعتباره بداية لمسار تشريعي أوسع يهدف إلى تعزيز العدالة الأسرية، وتحديث المنظومة القانونية بما ينسجم مع تطور المجتمع واحتياجاته. وفي هذا السياق، تبرز مسألة المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى كأحد الموضوعات التي تستحق نقاشاً هادئاً ومسؤولاً ضمن المرجعيات الكنسية والقانونية المختصة. فالكثير من التشريعات الحديثة في دول متعددة اتجهت نحو تكريس مبدأ المساواة بين الأبناء والبنات في الحقوق المالية والإرث، انطلاقاً من اعتبارات العدالة والمواطنة وتكافؤ الحقوق داخل الأسرة الواحدة. ومن شأن فتح هذا الحوار مستقبلاً أن يعكس قدرة التشريع على مواكبة المتغيرات الاجتماعية، وأن يعزز الشعور بالإنصاف والاستقرار الأسري، بما ينسجم مع القيم الإنسانية التي تقوم على الكرامة والمساواة واحترام حقوق جميع أفراد الأسرة دون تمييز.

ولا بد من التأكيد أن أي نقاش حول هذا القانون يجب أن يبقى نقاشاً علمياً وقانونياً وهادئاً، بعيداً عن التشكيك أو المزايدات. فمن حق الجميع إبداء الرأي، لكن من واجب الجميع أيضاً احترام اختصاص الكنائس في شؤونها الدينية، واحترام صلاحية الدولة في تطوير تشريعاتها، واحترام الدستور بوصفه الإطار الجامع لكل الأردنيين.

إن الأردن، بتاريخه الهاشمي وميراثه الوطني، قام دائماً على فكرة العيش المشترك عاشها الأردنيون كحقيقة يومية في المدن والقرى والمدن والمحافظات والمؤسسات الخاصة والعامة وفي جميع أنحاء المملكة. ولذلك فإن تنظيم قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين هو امتداد طبيعي لهذه الروح الأردنية التي تحترم الدين، وتصون الأسرة، وتحمي التعددية، وتؤكد أن المواطنة الحقيقية لا تذيب الخصوصيات، بل تعترف بها في إطار دولة القانون.

ومن هنا، فإن خطوة الحكومة تستحق التقدير، لأنها تعكس وعياً عميقاً بأن التشريع ليس مجرد نصوص جامدة، بل أداة لحماية الناس وتنظيم حياتهم وصون كرامتهم. وإذا سار هذا القانون ضمن مساره الدستوري، وبالتشاور مع المرجعيات الكنسية المختصة، وبما يحقق مصلحة الأسر المسيحية الأردنية، فإنه سيكون إضافة مهمة إلى التجربة القانونية الأردنية، ورسالة واضحة بأن الأردن قادر على تطوير قوانينه بما ينسجم مع المتطلبات الخاصة، مع الحفاظ على قيمه الدستورية الراسخة وتقاليده الوطنية القائمة على الاحترام والتعددية وسيادة القانون.

محامٍ وخبير قانوني

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }