أجمع خبراء اقتصاديون على أن أهمية معدلات التضخم المنخفضة التي سجلها الأردن خلال السنوات الأخيرة لا تكمن فقط في كونها مؤشراً على استقرار الأسعار، بل في كونها تمثل فرصة اقتصادية حقيقية يمكن البناء عليها لتعزيز النمو والاستثمار والتنافسية الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أنه يمكن النظر إلى هذا التقرير باعتباره دليلاً على نجاح الأردن في الحفاظ على استقرار الأسعار خلال واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في الاقتصاد العالمي منذ عقود.
وأظهرت معطيات إحصائية محلية وأخرى عالمية أن معدلات التضخم في المملكة خلال السنوات الخمس الأخيرة كانت، بالمجمل، أقل من مثيلاتها العالمية، حيث بلغت 2.198 بالمئة في المملكة، مقابل 5.194 بالمئة عالمياً.
وتعطي المعطيات مؤشراً واضحاً على أن الأردن استطاع السيطرة على موجة الغلاء التي اجتاحت العالم خلال السنوات الأخيرة الممتدة من عام 2021 وحتى نهاية العام الماضي 2025.
وبدأت أزمة الغلاء عالمياً في عام 2021 مع عودة الحياة إلى طبيعتها بعد انحسار جائحة كورونا وزيادة الطلب على السلع، حيث ارتفع معدل التضخم العالمي إلى 3.48 بالمئة، فيما بقي في الأردن عند مستوى منخفض بلغ 1.35 بالمئة فقط.
وفي عام 2022، واجه العالم الذروة الحقيقية للأزمة بسبب مشكلات الشحن البحري وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ما دفع التضخم العالمي إلى القفز لأعلى مستوياته مسجلاً 7.93 بالمئة.
ورغم ذلك، أظهر الأردن تماسكاً كبيراً، وبلغ معدل التضخم 4.23 بالمئة بفضل الإجراءات التي اتخذتها المملكة والدعم الذي قُدم لبعض السلع الأساسية والمشتقات النفطية، إلى جانب قرارات البنك المركزي.
وخلال الجائحة، التي تعد أكبر أزمة صحية واجهت العالم، لم تشهد السوق المحلية نقصاً في السلع والبضائع، على الرغم من تعطل سلاسل التوريد والنقل وارتفاع أسعار الشحن بمختلف أنماطه، فيما بقيت عجلة الصناعة تدور، ما وفر الكثير من المنتجات الأساسية التي يحتاجها المواطنون، لا سيما مستلزمات التعقيم والنظافة والمواد الغذائية.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن معدلات التضخم على مدار السنوات الخمس الماضية، وهي سنوات استراتيجية فيما يتعلق بالأسباب التي أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، وبالتالي أردنياً، تُظهر في الجانب الآخر أن معدلات التضخم في الأردن كانت أكثر انضباطاً، وأكثر قدرة على الضبط، وأكثر حوكمة للجهات المتعاملة مع الأسباب المؤدية إليها.
وأضاف: «هذا يدل على استقرار نقدي قوي في الأردن. فعندما نتحدث عن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية، والبالغ 2.198 بالمئة، مقابل معدل عالمي بلغ 5.194 بالمئة، فإن ذلك يعني أن الأردن استطاع أن يحيد نفسه جزئياً عن التضخم العالمي، وأن يحافظ على استقرار سعر الدينار، وأن لديه سياسة نقدية فاعلة. كما يعكس أيضاً تحسناً في تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد المكلفة».
وأضاف أن هناك زيادة في الإنتاج المحلي الزراعي والغذائي والصناعات الغذائية، وأن هناك بدائل للمستوردات، وكلما زاد الإنتاج المحلي وارتفع مستوى الاكتفاء الذاتي، تراجع أثر التضخم المستورد. كما أن هناك تحسناً في المنافسة الداخلية، أي أن الاقتصاد يعمل بصورة أكثر كفاءة، ما يمنع الاحتكار ويخفض الهوامش غير المبررة، وبالتالي يعزز التنافس الإيجابي ويقلل الكلف. كذلك هناك إدارة حذرة للسيولة، إذ لا توجد سيولة مفرطة في السوق، إلى جانب ضبط الائتمان الاستهلاكي ومراقبة واضحة لنمو القروض والإقراض.
وذكر أنه لا شك أن هناك نوعاً من الدعم غير المباشر للنقل والإنتاج، وأن هناك خفضاً في كلفة الطاقة بالمعنى الاستراتيجي، وإن كانت الطاقة إحد الأسباب الكامنة أيضاً وراء بقاء معدلات التضخم عند مستوياتها الحالية.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أنه يمكن النظر إلى هذا التقرير باعتباره دليلاً على نجاح الأردن في الحفاظ على استقرار الأسعار خلال واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في الاقتصاد العالمي منذ عقود.
وأضاف: «عندما يبلغ متوسط التضخم في الأردن نحو 2.2 بالمئة خلال الفترة 2021-2025، مقابل أكثر من 5.1 بالمئة عالمياً، فهذا يعني أن الاقتصاد الأردني تمكن من تجنب موجات الارتفاع الحادة في الأسعار التي شهدتها معظم دول العالم بعد جائحة كورونا، وحرب روسيا وأوكرانيا، وحرب غزة، وأخيراً التوترات الجيوسياسية في المنطقة».
وأشار إلى أن هذا يعكس نجاحاً يمكن تبريره بعدة عوامل، أهمها السياسة النقدية المتوازنة التي اتبعها البنك المركزي الأردني للحفاظ على استقرار الدينار والسيطرة على التضخم، بالإضافة إلى وجود آليات دعم وتدخل حكومي للحد من انتقال الصدمات العالمية إلى المستهلك المحلي. كذلك أسهم تنوع مصادر الاستيراد، ومرونة القطاع التجاري، وقدرة القطاع الصناعي المحلي على توفير جزء من الاحتياجات الأساسية وتقليل آثار اختناقات سلاسل التوريد. ولذلك فإن بقاء التضخم الأردني حول معدل 2 بالمئة خلال السنوات الأخيرة يعد ضمن المستويات التي تعتبرها معظم البنوك المركزية عالمياً منطقية ومستدامة.
كما أضاف مخامرة أن انخفاض التضخم لا يعني تراجع الأسعار، وإنما يعني أن الأسعار ما تزال ترتفع ولكن بوتيرة أبطأ. ولهذا قد يشعر المواطن بأن كلفة المعيشة ما تزال مرتفعة رغم انخفاض التضخم، لأن الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية لم تعد إلى مستوياتها السابقة، خصوصاً في قطاعات السكن والتعليم والخدمات الصحية وبعض المواد الغذائية.
وذكر: «في الوقت الذي يتحدث فيه البنك الدولي عن عودة الضغوط التضخمية عالمياً نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري، ما يزال التضخم الأردني دون 2 بالمئة. وهذا يشير إلى أن الاقتصاد الأردني أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية مقارنة بما كان عليه في أزمات سابقة، وأن أدوات السياسة النقدية والمالية أصبحت أكثر فاعلية في إدارة المخاطر».
وأضاف أنه لا بد من الإشارة إلى أن استمرار التضخم المنخفض ليس أمراً مضموناً، وهناك عدة عوامل قد تعيد الضغوط السعرية، منها أي ارتفاع طويل الأمد في أسعار النفط، واضطرابات جديدة في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، وزيادة تكاليف النقل والشحن البحري، واتساع التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
لكن في المقابل، فإن أي انفراج سياسي في المنطقة وإعادة فتح الممرات البحرية بشكل كامل قد يؤديان إلى انخفاض تكاليف الشحن والطاقة، وبالتالي تعزيز استقرار الأسعار عالمياً ومحلياً.
وختم مخامرة بالقول إن الأرقام الحالية تعكس أن الأردن نجح حتى الآن في احتواء الآثار التضخمية للحرب والتوترات الإقليمية، وأن الضغوط السعرية بقيت ضمن نطاق يمكن للاقتصاد التعامل معه. كما أن تراجع التضخم التراكمي في الأردن خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، رغم الارتفاع المؤقت للتضخم في شهر أيار، يوحي بأن الاقتصاد الأردني ما يزال يحتفظ بدرجة جيدة من استقرار الأسعار، وهو ما يتوافق مع تقييمات المؤسسات الدولية التي وصفت الاقتصاد الأردني خلال الفترة الأخيرة بأنه يتمتع بقدر ملحوظ من الصمود أمام الصدمات الخارجية.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن أهمية معدلات التضخم المنخفضة التي سجلها الأردن خلال السنوات الأخيرة لا تكمن فقط في كونها مؤشراً على استقرار الأسعار، بل في كونها تمثل فرصة اقتصادية حقيقية يمكن البناء عليها لتعزيز النمو والاستثمار والتنافسية الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
وأشار الحدب إلى أن الأردن حقق خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025 متوسط تضخم بلغ نحو 2.2 بالمئة فقط، مقارنة بمتوسط عالمي تجاوز 5.2 بالمئة، وهو فارق مهم يمنح الاقتصاد الوطني ميزة تنافسية لا تتوافر حالياً في العديد من الاقتصادات الإقليمية والناشئة.
وأوضح الحدب أن معظم النقاشات الاقتصادية تركز عادة على الآثار السلبية للتضخم المرتفع، إلا أن الأهم هو إدراك المكاسب التي تحققها الدول عندما تنجح في المحافظة على استقرار الأسعار لفترات طويلة. فالتضخم المنخفض لا يعني فقط حماية المستهلك، بل يعني أيضاً بيئة أعمال أكثر استقراراً، وكلفة إنتاج أكثر قابلية للتنبؤ، وقرارات استثمارية أكثر وضوحاً.
وأضاف الحدب أن المستثمر المحلي أو الأجنبي، عندما يقارن بين عدة أسواق، يبحث أولاً عن الاستقرار. وعندما يجد اقتصاداً يحافظ على معدلات تضخم تقل عن 2 بالمئة في وقت تسجل فيه بعض الاقتصادات الناشئة معدلات تتجاوز 10 أو 20 أو حتى 30 بالمئة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى المخاطر والعوائد المتوقعة.
وأشار الحدب إلى أن الأردن يدخل المرحلة الحالية من الاضطرابات الإقليمية والعالمية وهو يتمتع بمزيج نادر من عناصر الاستقرار الاقتصادي، يتمثل في استقرار سعر الصرف، واحتياطيات أجنبية بلغت نحو 27 مليار دولار، وتضخم منخفض، وقطاع مصرفي يتمتع بمستويات مرتفعة من المتانة والسيولة، وهي عوامل أصبحت تحظى بأهمية متزايدة لدى المستثمرين العالميين.
وبيّن الحدب أن انخفاض التضخم يسهم كذلك في دعم القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية الأردنية، لأن استقرار كلف الإنتاج يساعد الشركات على التخطيط والتسعير والتوسع بصورة أفضل، ويمنح الصادرات الوطنية فرصة أكبر للمنافسة في الأسواق الخارجية.
وأضاف الحدب أن هذه الميزة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي حالياً، حيث يتوقع البنك الدولي أن يبلغ التضخم العالمي نحو 4 بالمئة خلال عام 2026، بالتزامن مع تباطؤ النمو العالمي إلى 2.5 بالمئة فقط نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتوترات الجيوسياسية.
وأكد الحدب أن نجاح الأردن في المحافظة على تضخم منخفض يجب أن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة اقتصادية جديدة تقوم على استقطاب المزيد من الاستثمارات الإنتاجية، خصوصاً في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، وهي القطاعات القادرة على تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى فرص عمل ونمو مستدام.
وأشار الحدب إلى أن التجارب الدولية تظهر أن الاقتصادات التي نجحت في استثمار الاستقرار الاقتصادي كانت الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز الضريبية أو التمويلية، بل يبحث قبل كل شيء عن بيئة مستقرة يمكنه العمل ضمنها بثقة لسنوات طويلة.
وأوضح الحدب أن التحدي خلال المرحلة المقبلة لم يعد يتمثل فقط في المحافظة على التضخم عند مستويات منخفضة، وإنما في تحويل هذا الاستقرار إلى مكاسب اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن من خلال زيادة الاستثمارات وتحسين مستويات الدخل وتوفير المزيد من فرص العمل.
وختم الحدب بالقول إن العالم يعيش اليوم مرحلة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، وفي مثل هذه الظروف تصبح الدول الأكثر استقراراً هي الأكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال والفرص الاقتصادية. والأردن يمتلك اليوم فرصة حقيقية للاستفادة من هذه الميزة، وتحويل نجاحه في السيطرة على التضخم إلى رافعة جديدة للنمو والاستثمار والتشغيل خلال السنوات المقبلة.