عربي ودولي

إسرائيل تبحث عن مخرج للحرب في لبنان

تتواصل المواجهات في جنوب لبنان بوتيرة مرتفعة، وسط تصاعد الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تعثر الحملة العسكرية في تحقيق أهدافها، بالتزامن مع انقسامات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وقيود تفرضها الولايات المتحدة على مسار العمليات.

وأفادت تقارير إسرائيلية بمقتل ستة جنود، بينهم ضابط، وإصابة 23 آخرين خلال الساعات الماضية، لترتفع حصيلة قتلى الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع العمليات البرية في الثاني من آذار إلى 36 ضابطاً وجندياً، وفق معطيات نقلتها صحيفة «هآرتس» عن مصادر عسكرية.

وكشف الجيش الإسرائيلي هوية أحد الجنود الذين قتلوا في استهداف دبابة تابعة لكتيبة المدرعات 52 خلال عملية نفذتها الفرقة 36 في منطقة تلة علي الطاهر جنوبي النبطية. وذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن الدبابة تعرضت بعد منتصف ليل الجمعة لهجوم بصواريخ مضادة للدروع، يُرجح أنها من طراز «كورنيت»، أعقبه هجوم بطائرة مسيّرة مفخخة أصابت الجزء الخلفي للدبابة وانفجرت داخلها، ما أدى إلى مقتل عدد من أفراد طاقمها.

وتشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن الجيش يواجه تحديات متزايدة مع انتقال عملياته إلى مناطق أكثر تعقيداً في جنوب لبنان، حيث يتركز القتال في جبال علي الطاهر ومجدل زون، اللتين تؤكد التقديرات الإسرائيلية أن حزب الله أقام فيهما شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت العسكرية تحت الأرض تضم غرف قيادة ومستودعات أسلحة ومنظومات إطلاق نار ومرافق لوجستية.

ويرى المحلل العسكري في صحيفة «معاريف» آفي أشكنازي أن هذه البنية التحتية تمنح حزب الله قدرة كبيرة على إدارة حرب استنزاف طويلة، فيما أوضح الخبير العسكري آفي كوهين أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى التخلي تدريجياً عن أسلوب التقدم البطيء المعتمد على التمهيد الناري الكثيف، مع توسعه داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي أدخله إلى بيئات قتالية أكثر تعقيداً، خاصة في القطاع الشرقي ومحيط نهر الليطاني ووادي الحجير، حيث تمنح التضاريس المقاتلين أفضلية لتنفيذ الكمائن والاشتباكات من مسافات قريبة.

وفي تقييمه لمسار الحرب، وصف المحلل العسكري في «هآرتس» عاموس هرئيل الوضع بأنه «حالة جمود نازفة»، معتبراً أن الأسبوع الأخير كان الأصعب على الجيش الإسرائيلي منذ آذار الماضي، وأن العمليات العسكرية تُدار ضمن حملة لم تتضح أهدافها النهائية، بينما تخضع في الوقت نفسه لقيود أميركية واضحة.

وقال هرئيل إن حزب الله نجح في استعادة جزء من صورته باعتباره «حامي الدولة من العدوان الإسرائيلي»، مضيفاً أن التساؤل المطروح داخل إسرائيل يتمثل في ما إذا كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى استثمار نهاية الحرب مع إيران للتوصل إلى تسوية على الجبهة اللبنانية، أم أنه يفضل إطالة أمد المواجهة حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، بدعم أو غض طرف من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وأضاف أن حزب الله، رغم الخسائر التي تكبدها، ما يزال قادراً على تعطيل الحياة في مناطق واسعة شمال إسرائيل، وفرض خسائر أسبوعية على الجيش الإسرائيلي، وهو ما يعكس استمرار المعضلة الاستراتيجية التي تواجهها تل أبيب.

وفي السياق السياسي، كشف آفي أشكنازي عن تصاعد الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية، مؤكداً أن إسرائيل تفتقر إلى رؤية سياسية واضحة تجاه لبنان، وأن استمرار تمركز القوات داخل الأراضي اللبنانية، مع تقييد قدرتها على توسيع عملياتها، يجعل الجنود عرضة للاستنزاف والخسائر.

وأشار إلى وجود دعوات داخل إسرائيل لبلورة خطة سياسية جديدة تقوم على إشراك قوى عربية في لبنان، وإنشاء آلية تنسيق مع السوريين، والعمل على دفع الولايات المتحدة وفرنسا لتوفير رعاية سياسية وأمنية لهذا المسار، في محاولة لإحداث تغيير في قواعد اللعبة الإقليمية وإنهاء حالة الاستنزاف الحالية.

كما أشار هرئيل إلى أن الإدارة الأميركية، وخصوصاً نائب الرئيس جاي دي فانس، أوضحت للإسرائيليين أن عليهم ضبط النفس، في ظل اعتماد إسرائيل شبه الكامل على الدعم الأميركي، لافتاً إلى أن الرئيس ترامب يفرض قيوداً على توسيع الضربات الجوية، وخاصة في بيروت، خشية تقويض مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، وإفشال الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة الإقليمية.

من جهته، اعتبر المحلل في صحيفة «إسرائيل اليوم» إيال زيسر أن ما انتهت إليه الحرب في إيران ولبنان يمثل فشلاً استراتيجياً لإسرائيل، مؤكداً أن الاعتراف بهذا الفشل يشكل الخطوة الأولى نحو معالجته.

وقال زيسر إن كثيرين في إسرائيل يصرون على الحديث عن «انتصار تاريخي»، إلا أن الانطباع السائد في المنطقة، وكذلك لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يختلف عن ذلك، معتبراً أن إسرائيل تبدو، في نظر محيطها، الخاسر الأكبر من التفاهمات التي أنهت المواجهة مع إيران، في وقت لا تزال فيه عاجزة عن حسم المعركة على الجبهة اللبنانية.