كتاب

سلوان والقدس الشرقية: معركة تثبيت الحق في مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع

تشهد القدس الشرقية المحتلة تصعيداً مقلقاً في الممارسات الإسرائيلية التي تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم. وقد جسّد الاستيلاء على أراضي بطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان في 15 يونيو الجاري هذا الاتجاه الخطير، مما استدعى إدانة فورية من وزارة الخارجية الأردنية، التي اعتبرت هذا الإجراء خرقاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
يُمثل هذا الحدث انتهاكاً مباشراً للالتزامات الدولية التي تتحمّلها إسرائيل بوصفها قوة قائمة بالاحتلال. فالقدس الشرقية؛ وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ولا سيما قراري مجلس الأمن 242 و478، تُعتبر أرضاً محتلة لا يجوز تغيير وضعها الديموغرافي أو الجغرافي. وتؤكد اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية لاهاي على التزامات القوة المحتلة في حماية السكان المحليين ورعاية مصالحهم، وهو ما يتناقض جذرياً مع سياسات المصادرة والإخلاء القسري.
تندرج هذه الممارسات ضمن استراتيجية ممنهجة تهدف إلى قضم الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان. فبلدة سلوان، التي تقع جنوب المسجد الأقصى، شهدت خلال الأشهر الثماني عشرة الماضية إخلاء أكثر من 50 عائلة، بينما يواجه حوالي 200 منزل خطر الهدم الوشيك. وتُمثل هذه البلدة نموذجاً مصغراً لما يجري في القدس الشرقية بأكملها، حيث تتلاقى الأهداف الأمنية والاستيطانية والدينية والديموغرافية.
يعكس الموقف الأردني الثابت الالتزام بالوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. فالسيادة في القدس الشرقية تعود للفلسطينيين، بينما تتولى القيادة الهاشمية مسؤولية حماية ورعاية المقدسات. وقد دعت الأردن المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها المستمرة.
ولم يقتصر الرفض على الموقف الأردني، بل انضم الاتحاد الأوروبي إلى الإدانة، مؤكداً أن القوانين المحلية الإسرائيلية لا تعفي إسرائيل من التزاماتها الدولية وإن الإجراءات الأحادية تفاقم الوضع المتوتر وتزيد من المعاناة الإنسانية.
إن السلام العادل والشامل لن يكون ممكناً ما لم تُحترم المرجعيات القانونية الدولية، ويُصان الوضع التاريخي والقانوني للقدس، وتُقام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. فهذه المدينة ليست مجرد مساحة للصراع، بل عنوان للحق والهوية والشرعية، ولن ينجح أي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة الثابتة.