كتاب

عيد الأب… استذكار قيمة لا مجرد مناسبة

في كل عام يتجدد الحديث عن عيد الأب، وتتكرر عبارات التهنئة والثناء، لكن السؤال الأهم: لماذا ظهر هذا اليوم أصلًا؟ وهل نحن نحتفل به بالطريقة نفسها التي نشأ من أجلها؟
لقد ظهرت أعياد الأب والأم في المجتمعات الغربية في ظل تحولات اجتماعية عميقة أضعفت الروابط الأسرية التقليدية، وأصبح الأبناء يقضون معظم حياتهم بعيدًا عن والديهم، فكان لا بد من يوم يذكرهم بفضل الأب والأم ويعيد شيئًا من التواصل والوفاء. أما في ثقافتنا العربية والإسلامية، فالأصل مختلف؛ إذ إن بر الوالدين ليس مناسبة موسمية، بل قيمة مستمرة تمتد طوال العمر يثاب عليها المرء.
ومع ذلك، فإن استذكار دور الأب يظل أمرًا مهمًا، لأن كثيرًا من عطائه يجري بصمت. فالأم تظهر تضحياتها للعيان حملًا وولادةً ورضاعةً وسهرًا، ولذلك ركز القرآن الكريم على ما تتحمله من مشقة وعناء. أما الأب فغالبًا ما يُعرف أثره من خلال النتائج لا المشاهد؛ فهو الذي يحمل همّ الأسرة، ويؤمن احتياجاتها، ويفكر في مستقبل أبنائه قبل أن يفكر في راحته الشخصية.
غير أن أعظم دور يؤديه الأب لا يبدأ بعد ولادة أبنائه، بل قبل ذلك بسنوات، يوم يختار أم أبنائه. فربما كان هذا القرار أهم قرار في تشكيل الأسرة كلها. فالرجل لا يختار زوجة لنفسه فقط، بل يختار معلمة لأبنائه، ومصدرًا لقيمهم الأولى، وصانعة لملامح شخصياتهم المستقبلية.
فالطفل لا يرضع من امه الحليب فقط بل يرضع ايضا من أمه اللغة الأولى، والقيم الأولى، والعادات الأولى، ومنها يكتسب كثيرًا من ملامح شخصيته. ومن هنا نفهم لماذا تتكرر أسماء الأمهات في سير العظماء عبر التاريخ. فخلف كثير من العلماء والقادة والمفكرين والمبدعين أمهات عظيمات أحسنَّ التربية وغرسن الثقة والطموح والانضباط في نفوس أبنائهن.
لكن تلك الأم العظيمة لم تصل إلى موقعها مصادفة، بل كان وراءها في كثير من الأحيان أب أحسن الاختيار، وقدّر قيمة المرأة، وهيأ لها البيئة التي تمارس فيها رسالتها التربوية. ولذلك فإن المقولة الشهيرة: 'خلف كل عظيم امرأة عظيمة' تكتمل بحقيقة أخرى لا تقل أهمية: 'وخلف كل امرأة عظيمة رجل عظيم آمن بها واحترم دورها ودعم رسالتها'.
فالأسرة ليست مشروع فرد واحد، بل شراكة متكاملة بين أب حكيم وأم واعية. وإذا كانت الأم تمنح الأبناء الجذور الأولى، فإن الأب يمنحهم الاتجاه والاستقرار والشعور بالأمان. وإذا كانت الأم تصنع البدايات، فإن الأب يحمي المسار ويهيئ الظروف التي تسمح لتلك البدايات أن تنمو وتثمر.
ولهذا فإن قيمة عيد الأب في مجتمعاتنا لا تكمن في الهدايا والعبارات العابرة، بل في استحضار هذه الرسالة العظيمة. فالأبوة ليست سلطة، بل مسؤولية. وليست إنفاقًا فحسب، بل بناء للإنسان. كما أن الأمومة ليست عاطفة فقط، بل مشروع تربوي يصنع مستقبل الأفراد والأمم.
إن أعظم ثروة يتركها الإنسان ليست مالًا ولا عقارًا، بل أبناء صالحين يحملون الأخلاق والعلم والقيم. وإذا كان خلف كل عظيم أم عظيمة، فإن من أعظم إنجازات الأب أن يحسن اختيار تلك الأم العظيمة.
وختامًا، كل يوم وكل شهر وكل عام والآباء والأمهات بخير، فهم صُنّاع الحياة وبناة الأجيال، وأصحاب الفضل الذين لا توفيهم الكلمات حقهم مهما قيل فيهم.