يحدث ذلك رغم مواصلة قوات الاحتلال الإسرائيلي العمليات العسكرية، سواء بقتل المدنيين الفلسطينيين، أو بتنفيذ عمليات اغتيال لبعض قادة حماس العسكريين والنشطاء السياسيين في الحركة والصحفيين، بعد أن تم اغتيال غالبية القادة العسكريين والسياسيين للحركة خلال الحرب التي استمرت عامين ونصف العام، وسميت حرب "إبادة جماعية"، ارتكبت خلالها قوات الاحتلال جرائم ذهب ضحيتها نحو 80 ألف شهيد، وأكثر من عشرة آلاف مفقود، وما يقارب 200 ألف جريح ومعوق، فضلاً عن مواصلة إسرائيل احتلال ما يقارب 50 بالمئة من مساحة القطاع، وهو ما تسميه الخط الأصفر، الذي رسمته أيضاً في قرى ومدن جنوب لبنان التي احتلتها بعد 2 آذار/مارس الماضي، عندما أطلق حزب الله ستة صواريخ ثأراً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في الساعات الأولى من الحرب التي شنتها إسرائيل وأميركا بتاريخ 28 شباط الماضي.
والمشهد اللبناني يبدو أكثر تعقيداً من الحالة في قطاع غزة، ذلك أنه لا توجد دولة في العالم فيها ميليشيا، هي "حزب الله"، تمتلك جيشاً يتفوق في قوته على الجيش النظامي من حيث التسليح والمعدات، بل وصواريخ بعيدة المدى. وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور الإيراني، ويبدو أن شيفرات هذه الصواريخ بيد الحرس الثوري الإيراني، لجهة تسليح وتمويل حزب الله. وكما قال أمين عام حزب الله الراحل حسن نصر الله، فإن تسليح وتمويل وأكل وشرب حزب الله من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولذلك فإن حزب الله يلتزم بـ"ولاية الفقيه"، ويتبنى العقيدة القتالية الإيرانية التي تعتمد على ثقافة الموت، أو كما يعتبرونها "الاستشهاد"، على حساب ثقافة الحياة!
ويمكن تأمل فيديو موثق لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، يقول فيه: "إن لبنان"، ويقصد حزب الله، "قدم أربعة آلاف شهيد من أجل إيران"، خلال حربه الأخيرة التي فتحها بتاريخ 2 آذار/مارس الماضي، ثأراً لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو رقم يفوق ما قدمته إيران من شهداء، وأن حزب الله قاتل 104 أيام، ونحن الإيرانيين قاتلنا 38 يوماً. ويضيف قاليباف أن أولوية إيران "أن تعيد شيعتنا إلى أماكنهم". لاحظوا أنه قال "شيعتنا" وليس شيعة لبنان!
لقد تركت إيران غزة تواجه مصيرها وحيدة، رغم أن إيران تتاجر بالقضية الفلسطينية وتستخدمها ورقة للاستثمار السياسي. فخلال حرب الإبادة الجماعية لم تطلق إيران صاروخاً واحداً نصرة لغزة، لكنها استخدمت ترسانتها الصاروخية بكثافة، حتى باتجاه دول لا علاقة لها بالحرب، مثل دول الخليج العربي والأردن. وعندما وصلت النار إلى داخلها وأصبحت تهدد النظام، كان ذلك أكبر دليل، بحسب هذا الرأي، على المتاجرة بالقضية الفلسطينية. ويا ليت من يصفقون لنظام الملالي، الذين توهموا أنه يسعى لتحرير فلسطين، يعقلون ويقرأون جيداً مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، التي لم تُذكر فيها فلسطين ولا المسجد الأقصى ولا غزة، التي دمرت بشكل كامل خلال حرب الإبادة الجماعية، رغم أن إيران شكلت "فيلق القدس" ضمن تشكيلات الحرس الثوري. وبطبيعة الحال، فإن هذه التسمية يُقصد منها، نظرياً، العمل على تحرير القدس، أو بالأحرى الضحك على الفلسطينيين، وهي بذلك تستغل حالة الانقسام العربي وعجز العرب عن العمل الجاد لفرض الإرادة العربية على إسرائيل!
أنا لم أفاجأ بذلك؛ لأنني أدرك الطبيعة الطائفية لنظام "ولاية الفقيه"، وهو الذي نشر "فيروس" الطائفية السياسية في دول المشرق العربي، لذلك حرص على الإشارة إلى حزب الله اللبناني؛ لأنه يمثل جزءاً من شيعة لبنان. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرس الثوري الإيراني هو الذي شكل حزب الله في لبنان لكي يكون ذراعاً له في مواجهة إسرائيل ضمن مشروعه التوسعي في المشرق العربي. وكانت من أبرز الاتهامات الموجهة إلى حزب الله قيامه بتهريب المخدرات وممارسة عمليات غسل الأموال.
ويُعد بنك القرض الحسن، الذي يُظهر نفسه بوصفه مؤسسة مالية غير مصرفية وخيرية، من الأدوات الرئيسة التي يدير من خلالها حزب الله موارده المالية. وكشفت تسريبات أن حسابات هذه المؤسسة يتجاوز دورها مجرد عمل مؤسسة خيرية، ونُشرت تقارير تفيد بأن القروض المقدمة من هذه المؤسسة هي، في الواقع، مساعدات غير مستردة تُستخدم لتمويل أنشطة حزب الله.