بطبيعة الحال، هذا لا يعني بأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يمر بمرحلة انهيار، فالعلاقة بين الطرفين عميقة راسخة ومربوطة بالدور الوظيفي الذي تقوم به تل أبيب خدمةً لمصالح واشنطن في المنطقة، ولكنه يعني أن هناك مدخلات جديدة على يجب أن تدخل على معادلات السياسة للدول الأخرى؛ يعني أن السؤال الأهم لا يتعلق بمدى عمق الخلاف بين الحليفين، بل في كيفية استغلاله بكفاءة.
في بعد آخر، لا بد من الإجابة على سؤال مفاده: هل هذا التباين والخلاف العلني مع إسرائيل يخص إدارة ترامب وحدها أم هو امتداد لسياسة عامة عابرة للإدارات؟. أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال يمكن أن تأتي من مصدرين:
الأول، قراءة توجهات وتصريحات المرشحين المحتملين للإدارة القادمة عن الحزب الجمهوري وهم روبيو وزير الخارجية الأمريكي، وفانس نائب الرئيس، والتي يمكن أن تعطي مؤشرات إحصائية انتخابية على أن نقد سلوك إسرائيل أصبح مقبولًا لدى الناخب الأمريكي، فهؤلاء المرشحون المحتملون لا يجرؤون على الدخول في مواجهة مع مؤيدي إسرائيل دون حسابات دقيقة وقراءة لتعاظم قوة التيار المناوئ لسطوة "الإيباك" على القرار الأمريكي.
أما الثاني، فهو التوجهات اللافتة التي ظهرت في استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة، وأهمها تقليل مركزية الشرق الأوسط لصالح الصين والداخل الأمريكي، مع نقل عبء ضبط المنطقة إلى الشركاء، وهذا يحتاج إلى تثبيط اندفاع إسرائيل حماية لها من نفسها، من خلال دعم حكومات إسرائيلية تميل إلى السلام والتعايش مع المحيط أكثر.
إذن، فالمرجح أن المناوشات السياسية بين واشنطن وتل أبيب ليست مجرد انفعالات لحظية بقدر ما هي تعبير عن سياسة عابرة للإدارات (حتى الديموقراطية منها)، بهدف إعادة ضبط المنطقة من خلال إعادة تعريف الدور الوظيفي لإسرائيل.
المهم باعتقادي هو أن يلتقط "التنسيق العربي" هذه المتغيرات ويستغلها لتحقيق الاستقرار وإعادة إحياء حل الدولتين، فأمريكا اليوم أصبحت تستمع للجميع في المنطقة، ولم تعد أسيرة لوجهة النظر الإسرائيلية كما في السابق، وقد تجلى ذلك في إنهاء الدول العربية لملفات مثل غزة وإيران وتثبيت النظام السوري الجديد بتزكية عربية.
إن هذه التغيرات في المنطقة لا بد أن تنعكس على مستوى التعاون بين الدول العربية أولًا، وعلى تعزيز مفهوم الدولة الوطنية ثانيًا، خصوصًا أننا أمام انحسار للأيدولوجيات العابرة للحدود ونجاح لمذهب الاعتدال والعقلانية في التعامل مع أزمات المنطقة.