المزارع القطاونة: خسارة موسم كامل قد تكون نتيجة شرارة عابرة
مع مطلع كل صيف، تتكرر في مناطق عديدة في المملكة خاصة الزراعية منها، مشاهد الحرائق التي تلتهم الأعشاب الجافة والمحاصيل ويمتد بعضها ليهلك آلاف الأشجار ويتلف الغطاء النباتي، تاركة وراءها خسائر بيئية واقتصادية كبيرة.
ويرى إختصاصيون في الشأن البيئي في ألوية عي ومؤاب والمزار والأغوار الجنوبيين بمحافظة الكرك أن حرائق الأعشاب والمحاصيل تعود للارتفاع في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وما يرافقه من جفاف شديد في الغطاء النباتي.وتؤكد المهندسة أنسام الضلاعين أن الأعشاب الجافة تتحول في مثل هذه الظروف إلى مادة سريعة الاشتعال، بحيث تكفي شرارة بسيطة لاندلاع حريق قد يمتد بسرعة كبيرة، وبخاصة مع نشاط الرياح.
وتشير إلى أن التغير المناخي أسهم في إطالة موجات الحر وزيادة حدتها، ما يرفع من احتمالية نشوب الحرائق واتساع رقعتها، وبخاصة عندما تمتد هذه النار لتصل إلى الغابات والتجمعات الشجرية.
في المقابل، يشدد الناشط الزراعي والبيئي محمد النوايسة على أن العامل البشري ما يزال الأكثر تأثيراً في اندلاع هذه الحرائق، سواء كان نتيجة الإهمال أو السلوكيات الخاطئة، مثل حرق المخلفات الزراعية دون رقابة أو متابعة، أو إلقاء أعقاب السجائر، أو إشعال النار أثناء الرحلات في المناطق الحرجية والزراعية دون اتخاذ إجراءات السلامة.
وبحسب المزارع يوسف الخليفات، تتركز حرائق الأعشاب في المناطق ذات الكثافة النباتية المرتفعة، وبخاصة في محافظات الشمال والوسط مثل عجلون وجرش وأطراف إربد، إلى جانب مناطق الأغوار التي تشهد نمواً كثيفًا للأعشاب في الربيع قبل أن تجف صيفاً بمساعدة درجات الحرارة المرتفعة، ما يجعلها بيئة خصبة لانتشار النيران.
وفي الميدان، يدفع المزارعون الثمن الأكبر لهذه الحرائق، حيث يروي المزارع محمد الطراونة من مؤاب كيف التهمت النيران جزءاً من أرضه خلال دقائق معدودة، رغم محاولاتهم إخمادها بوسائل بسيطة، إلا أن سرعة انتشارها حالت دون السيطرة عليها.
ويؤكد المزارع كمال القطاونة أن خسارة موسم كامل قد تكون نتيجة شرارة عابرة، ويلفت إلى أن التعويضات، إن وجدت، لا تغطي في كثير من الأحيان حجم الخسائر الفعلية.
من جهتهم، يوضح متطوعون شاركوا في عمليات الإطفاء أن العديد من الحرائق تبدأ صغيرة، إلا أن التأخر في التبليغ أو صعوبة الوصول إلى مواقعها، وبخاصة في المناطق الوعرة، يؤدي إلى خروجها عن السيطرة. ويؤكد المتطوع محمد الصرايرة أن سرعة الإبلاغ والتدخل المبكر يمكن أن يحدثا فارقاً كبيراً في الحد من انتشار الحرائق وتقليل خسائرها.
وفي إطار المتابعة الرسمية يرى مزارعون بأن الجهات المعنية وعلى رأسها مديريات الزراعة بالتنسيق مع الأجهزة المختصة، تعمل على التعامل مع هذه الحوادث وفق إجراءات منظمة تبدأ بالاستجابة الفورية عبر فرق الإطفاء، يليها إجراء كشف ميداني لتقدير حجم الأضرار وتوثيقها، واتخاذ الإجراءات القانونية في حال ثبوت وجود تعدٍ أو إهمال.
ويشير المختص الزراعي علي الطراونة إلى أن موسم حصاد القمح يُعد من أكثر الفترات حساسية، نظراً لوصول المحصول إلى مرحلة الجفاف الكامل، ما يجعله شديد القابلية للاشتعال، وبالتالي فإن أي خلل في استخدام الآليات الزراعية أو أي شرارة بسيطة قد يؤدي إلى خسائر واسعة خلال وقت قصير.
ويؤكد خبراء قانونيون في محافظة الكرك أن التشريعات الأردنية تنص على فرض عقوبات بحق المتسببين بإشعال الحرائق، سواء كان ذلك بشكل متعمد أو نتيجة الإهمال، حيث تتدرج هذه العقوبات بين الغرامات المالية والحبس، خصوصا في الحالات التي تتسبب فيها الحرائق بخسائر وأضرار كبيرة، وذلك في إطار جهود الحد من هذه الظاهرة وردع السلوكيات السلبية المرتبطة بها.
ويؤكد الخبير القانوني والمحامي ناصر الطراونة أن إضرام النيران في المزروعات بشكل متعمد لا يُعد مجرد إتلاف للمال العام أو الخاص، بل يُصنّف كجناية حريق قصدي تستوجب المساءلة القانونية والعقوبات الجزائية، مشيرًا إلى أن ذلك يترتب عليه أيضًا إلزام الفاعل بدفع تعويض مدني كامل عن الأضرار التي لحقت بصاحب المزروعات، دون أن يسقط الحق العام بمجرد دفع التعويض.
وأضاف الطراونة أن الحريق إذا كان ناجمًا عن الإهمال أو عدم الالتزام بإجراءات السلامة العامة، فإنه يندرج ضمن جرائم التسبب بحريق غير مقصود، مع بقاء المسؤولية الجزائية والمدنية قائمة بحق المتسبب، نتيجة ما ينجم عن فعله من أضرار وخسائر.
وبيّن أن هذه الأحكام تستند إلى ما نص عليه قانون العقوبات الأردني، خاصة المواد (370، 371، 372، 373، 374)، التي تُعالج قضايا الحرائق بمختلف صورها، وتحدد العقوبات المترتبة عليها.
حرائق الصيف.. كابوس موسمي يهدد الزراعة والبيئة
11:51 20-6-2026
آخر تعديل :
السبت