أقر مجلس الوزراء قبل أيام الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لقانون مجالس الطوائف المسيحية لسنة 2014، الذي يقضي باعتبار الوصية والتبني من مسائل الأحوال الشخصية الخاضعة للقوانين الكنسية للطوائف المسيحية، إلى جانب الزواج والطلاق. وتمثل هذه التعديلات خطوة تشريعية مهمة، تعكس فهما متقدما للفلسفة الدستورية الناظمة للعلاقة بين الدولة الأردنية والطوائف الدينية المعترف بها.
إن القيمة الحقيقية لهذه المقترحات تكمن في إعادة التأكيد على حق الطوائف المسيحية المعترف بها في تنظيم شؤونها الدينية والأسرية وفقا لقواعدها الخاصة وبما يتوافق مع أحكام الدستور، الذي لم يكتف بضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، بل منح الأردنيين المسيحيين إطارا قانونيا ودستوريا يمكنهم من إدارة شؤونهم الأسرية والشخصية من خلال محاكمهم الدينية.
فالمادة (109) من الدستور تنص على أن مجالس الطوائف الدينية تتألف وفقا لأحكام القوانين الخاصة بها، وأن هذه القوانين هي التي تحدد اختصاصاتها في مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف. كما أجاز الدستور لها تطبيق الأصول والأحكام المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية التي لا تدخل ضمن اختصاص المحاكم الشرعية. ويكشف هذا التنظيم الدستوري عن توجه واضح نحو احترام التنوع الديني داخل المجتمع الأردني، ومنح الطوائف المسيحية مساحة قانونية لتنظيم أوضاعها الأسرية وفقا لقواعدها الدينية الخاصة.
ومن هنا، فإن مشروع القانون المعدل لا يمنح الطوائف المسيحية حقوقا جديدة، وإنما يسهم في تطوير آليات ممارسة حق دستوري قائم ومكرس، كما أنه يعكس مفهوما متقدما للمواطنة يقوم على تمكين مختلف مكونات المجتمع من تنظيم شؤونها الخاصة وممارسة حقوقها الدستورية ضمن إطار وحدة الدولة وسيادة القانون، بما يجعل احترام الخصوصية الدينية أحد تطبيقات المواطنة لا استثناء عليها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إدراج موضوعي الوصية والتبني ضمن المسائل المقترح إخضاعها للقوانين الكنسية، نظرا لارتباطهما الوثيق بالبنية الأسرية والمفاهيم الدينية الخاصة بالطوائف المسيحية، الأمر الذي يبرر تنظيمهما وفقا لقواعدها الكنسية، شأنهما في ذلك شأن مسائل الزواج والطلاق.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على تنظيم هاتين المسألتين فحسب، بل تمتد إلى إثارة نقاش دستوري وتشريعي أوسع حول نطاق الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية وحدود المسائل التي يجوز إخضاعها لقوانينها الخاصة. فالإطار الدستوري الناظم لاختصاصات مجالس الطوائف الدينية لم يضع قائمة حصرية بمسائل الأحوال الشخصية الداخلة في اختصاصها، وإنما ترك للمشرع سلطة تحديد هذه المسائل وتنظيم آليات ممارستها بموجب القانون.
كما أن هذه الخطوة التشريعية تعيد التذكير بأن مفهوم الأحوال الشخصية ليس مفهوما جامدا أو ثابتا، وإنما يتطور بتطور حاجات المجتمع وتبدل نظرته إلى تنظيم العلاقات الأسرية. ولذلك فإن تحديد المسائل التي تدخل ضمن اختصاص المحاكم الدينية يبقى في جوهره خيارا تشريعيا يخضع للتقييم والمراجعة المستمرة في ضوء أحكام الدستور ومتطلبات العدالة والاستقرار القانوني.
ومن هذه الزاوية، فإن إدراج الوصية ضمن المسائل الخاضعة للقوانين الكنسية يثير تساؤلات مشروعة حول موضوع الميراث، باعتباره الوجه الآخر لتنظيم انتقال الأموال والحقوق داخل الأسرة. فالوصية والميراث يشكلان منظومة قانونية مترابطة تتعلق بتنظيم العلاقات المالية والأسرية بعد الوفاة، الأمر الذي يجعل من الصعب تناول أحدهما بمعزل عن الآخر. كما أن موضوع الميراث ظل محل نقاش متكرر في الأوساط الكنسية والقانونية خلال السنوات الماضية، بوصفه من أكثر المسائل اتصالا بالأحوال الشخصية للأسرة المسيحية.
وفي ضوء هذا التطور التشريعي، يبرز التساؤل حول مدى إمكانية إعادة النظر في موقع الميراث ضمن نطاق اختصاص المحاكم الكنسية. فإدراج هاتين المسألتين ضمن اختصاص المحاكم الكنسية يفتح الباب أمام حوار قانوني ومجتمعي هادئ بشأن هذه المسألة، ينطلق من أحكام الدستور ويستند إلى مبدأ احترام الخصوصية الدينية للطوائف المسيحية.
وخلاصة القول، إن التعديلات المقترحة على قانون مجالس الطوائف المسيحية تعكس حيوية النظام الدستوري الأردني وقدرته على تطوير تشريعاته بصورة متدرجة ومتوازنة، بما ينسجم مع خصوصية مكونات المجتمع المحلي وتنوعه الديني. فإذا كان مشروع القانون المعدل قد حسم مسألتي الوصية والتبني، فإنه يفتح في الوقت ذاته الباب أمام مواصلة النقاش بشأن نطاق مسائل الأحوال الشخصية التي يمكن تنظيمها بموجب القوانين الكنسية، بما يحقق مزيدا من الوضوح والاتساق في المنظومة القانونية الناظمة لشؤون الطوائف المسيحية، ويعزز نهج الاعتراف بالتنوع الديني الذي كرسه الدستور الأردني.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
إن القيمة الحقيقية لهذه المقترحات تكمن في إعادة التأكيد على حق الطوائف المسيحية المعترف بها في تنظيم شؤونها الدينية والأسرية وفقا لقواعدها الخاصة وبما يتوافق مع أحكام الدستور، الذي لم يكتف بضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، بل منح الأردنيين المسيحيين إطارا قانونيا ودستوريا يمكنهم من إدارة شؤونهم الأسرية والشخصية من خلال محاكمهم الدينية.
فالمادة (109) من الدستور تنص على أن مجالس الطوائف الدينية تتألف وفقا لأحكام القوانين الخاصة بها، وأن هذه القوانين هي التي تحدد اختصاصاتها في مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف. كما أجاز الدستور لها تطبيق الأصول والأحكام المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية التي لا تدخل ضمن اختصاص المحاكم الشرعية. ويكشف هذا التنظيم الدستوري عن توجه واضح نحو احترام التنوع الديني داخل المجتمع الأردني، ومنح الطوائف المسيحية مساحة قانونية لتنظيم أوضاعها الأسرية وفقا لقواعدها الدينية الخاصة.
ومن هنا، فإن مشروع القانون المعدل لا يمنح الطوائف المسيحية حقوقا جديدة، وإنما يسهم في تطوير آليات ممارسة حق دستوري قائم ومكرس، كما أنه يعكس مفهوما متقدما للمواطنة يقوم على تمكين مختلف مكونات المجتمع من تنظيم شؤونها الخاصة وممارسة حقوقها الدستورية ضمن إطار وحدة الدولة وسيادة القانون، بما يجعل احترام الخصوصية الدينية أحد تطبيقات المواطنة لا استثناء عليها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إدراج موضوعي الوصية والتبني ضمن المسائل المقترح إخضاعها للقوانين الكنسية، نظرا لارتباطهما الوثيق بالبنية الأسرية والمفاهيم الدينية الخاصة بالطوائف المسيحية، الأمر الذي يبرر تنظيمهما وفقا لقواعدها الكنسية، شأنهما في ذلك شأن مسائل الزواج والطلاق.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على تنظيم هاتين المسألتين فحسب، بل تمتد إلى إثارة نقاش دستوري وتشريعي أوسع حول نطاق الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية وحدود المسائل التي يجوز إخضاعها لقوانينها الخاصة. فالإطار الدستوري الناظم لاختصاصات مجالس الطوائف الدينية لم يضع قائمة حصرية بمسائل الأحوال الشخصية الداخلة في اختصاصها، وإنما ترك للمشرع سلطة تحديد هذه المسائل وتنظيم آليات ممارستها بموجب القانون.
كما أن هذه الخطوة التشريعية تعيد التذكير بأن مفهوم الأحوال الشخصية ليس مفهوما جامدا أو ثابتا، وإنما يتطور بتطور حاجات المجتمع وتبدل نظرته إلى تنظيم العلاقات الأسرية. ولذلك فإن تحديد المسائل التي تدخل ضمن اختصاص المحاكم الدينية يبقى في جوهره خيارا تشريعيا يخضع للتقييم والمراجعة المستمرة في ضوء أحكام الدستور ومتطلبات العدالة والاستقرار القانوني.
ومن هذه الزاوية، فإن إدراج الوصية ضمن المسائل الخاضعة للقوانين الكنسية يثير تساؤلات مشروعة حول موضوع الميراث، باعتباره الوجه الآخر لتنظيم انتقال الأموال والحقوق داخل الأسرة. فالوصية والميراث يشكلان منظومة قانونية مترابطة تتعلق بتنظيم العلاقات المالية والأسرية بعد الوفاة، الأمر الذي يجعل من الصعب تناول أحدهما بمعزل عن الآخر. كما أن موضوع الميراث ظل محل نقاش متكرر في الأوساط الكنسية والقانونية خلال السنوات الماضية، بوصفه من أكثر المسائل اتصالا بالأحوال الشخصية للأسرة المسيحية.
وفي ضوء هذا التطور التشريعي، يبرز التساؤل حول مدى إمكانية إعادة النظر في موقع الميراث ضمن نطاق اختصاص المحاكم الكنسية. فإدراج هاتين المسألتين ضمن اختصاص المحاكم الكنسية يفتح الباب أمام حوار قانوني ومجتمعي هادئ بشأن هذه المسألة، ينطلق من أحكام الدستور ويستند إلى مبدأ احترام الخصوصية الدينية للطوائف المسيحية.
وخلاصة القول، إن التعديلات المقترحة على قانون مجالس الطوائف المسيحية تعكس حيوية النظام الدستوري الأردني وقدرته على تطوير تشريعاته بصورة متدرجة ومتوازنة، بما ينسجم مع خصوصية مكونات المجتمع المحلي وتنوعه الديني. فإذا كان مشروع القانون المعدل قد حسم مسألتي الوصية والتبني، فإنه يفتح في الوقت ذاته الباب أمام مواصلة النقاش بشأن نطاق مسائل الأحوال الشخصية التي يمكن تنظيمها بموجب القوانين الكنسية، بما يحقق مزيدا من الوضوح والاتساق في المنظومة القانونية الناظمة لشؤون الطوائف المسيحية، ويعزز نهج الاعتراف بالتنوع الديني الذي كرسه الدستور الأردني.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com