لم تعد الثروة تُقاس اليوم بما نملكه تحت الأرض فقط؛ بل تحولت المعرفة والبيانات والقدرة على تخزينها ومعالجتها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية فاعلة في قياس الثروات، فان كان النفط هو وقود القرن الماضي، فالبيانات هي وقود القرن الحالي.
والعالم اليوم يشهد انفجاراً في الطلب على مراكز البيانات بفعل التوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتجارة الإلكترونية، وتشير بعض التقديرات إلى أن حجم البيانات العالمية يتضاعف كل بضع سنوات، مما يدفع الشركات العملاقة إلى البحث عن مواقع جديدة لتخزين بياناتها وتشغيل تطبيقاتها.
و تكمن الفرصة الأردنية في هذه الحاجة الملحة المتوقع ارتفاع سقفها، فمراكز البيانات ليست مجرد مبانٍ تحتوي على خوادم وأجهزة حاسوب، بل بنية تحتية استراتيجية تشبه المطارات والموانئ وشبكات السكك الحديدية، وهذا مكمن قدرتها على جذب استثمارات بمئات الملايين من الدولارات، وخلق وظائف نوعية عالية الأجر، وتحفيز قطاعات الطاقة والاتصالات والإنشاءات والأمن السيبراني والتعليم التقني.
بل إن الأهمية الحقيقية لهذه المراكز تتجاوز الاقتصاد إلى مفهوم جديد من مفاهيم السيادة الوطنية؛ فالدول التي تستضيف البيانات وتديرها تصبح أكثر حضوراً وتأثيراً في الاقتصاد الرقمي العالمي.
من هنا، يوضع ملف مراكز البيانات على طاولة صانع القرار الأردني ويبرز السؤال إمكانية تحويل هذه المراكز إلى الثروة الوطنية القادمة للأردن؟
فالأردن يمتلك فرصة حقيقية للدخول إلى هذا السباق، موقع بلدنا الاستراتيجي على الممرات العالمية، وتمتعه بدرجة عالية من الاستقرار السياسي والأمني، إضافة إلى قاعدة بشرية مؤهلة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما أننا راكمنا خلال العقدين الماضيين خبرة مهمة في الخدمات الرقمية والحكومة الإلكترونية وريادة الأعمال التقنية.
وفي عالم يتجه بسرعة نحو الاقتصاد الرقمي، قد تكون البيانات هي الفوسفات الأردنية الجديدة، وقد تكون مراكز البيانات هي المناجم التي سيُبنى عليها اقتصاد الأردن في العقود المقبلة.