في عالم الموسيقى والفيزياء الصوتية، يُعرَّف البعد الطنيني: بأنه المسافة الرياضية الثابتة والفاصلة بين نغمتين متتاليتين في السلم الموسيقي، والتي تقوم على نسبة فيزيائية صارمة ومحكمة هي ثمانية إلى تسعة.(8:9) هذا البعد ليس مجرد فراغ صامت، بل هو مساحة زمنية واهتزازية تضمن تدفق اللحن دون تداخل عشوائي وهو حجر الأساس الذي يمنح السلالم الموسيقية استقرارها وهويتها النغمية. هذا المفهوم الفيزيائي الدقيق لا يقف عند حدود الموسيقى بل يمتد اليوم ليمتزج بعلم الفيزياء الاقتصادية(Econophysics)، مشكلاً أداة تحليلية بامتياز لفهم حركة المال والأسواق التي تحكم عالمنا المعاصر كأوركسترا بشرية عملاقة، تتأثر بها الاقتصادات العالمية والمحلية تأثراً ارتدادياً مباشراً، إذ تنتقل كموجات اهتزازية عبر قنوات التجارة والديون والاستثمار لترتدّ في الأسواق كما يرتد صدى الصوت مكرراً النغمة ذاتها ولكن بدرجات تختلف حدتها باختلاف قوة الارتداد.
وعند إسقاط هذا المفهوم على مجريات الاقتصاد العالمي منذ مطلع القرن العشرين، يجعلنا نكتشف أن الأزمات المالية والانهيارات الكبرى ليست أحداثاً عشوائية مفاجئة، بل هي انتقالات مقامية محكومة بأبعاد طنينية ودورات زمنية هيكلية متكررة. فالنظام الاقتصادي يتحرك وفق ترددات واهتزازات ارتدادية تعيد إنتاج نفسها بانتظام. حيث يمثل الفارق الزمني بين الأزمات المسافة الهندسية التي يحتاجها النظام المالي لتصريف فائض الإنتاج المتراكم وإعادة بناء الديون حتى نقطة التشبع. وتعمل الأسواق العالمية المترابطة مثل أوتار العود المشدودة عبر ظاهرة الطنين الارتدادي، حيث ان نقرة واحدة في قوة اقتصادية كبرى تؤدي إلى أزمة عقارية أو تكنولوجية لاهتزاز الأوتار المالية في الدول النامية والناشئة تلقائياً بفعل التردد المشترك، مما يجعل اقتصاداتنا بمثابة صندوق الرنين الحقيقي الذي يستقبل تدفقات هذه العدوى عبر القارات. غير أن قراءة هذا البعد الطنيني لا تعني التنبؤ بالموعد القادم للأزمة الاقتصادية، بل تعني الفهم العميق لطبيعة العدوى. وكيف أن رفع سعر الفائدة في مركز ثقل اقتصادي يهزّ أوتار السيولة في دول أخرى، وكيف أن أي انكماش في الطلب على السلع الأساسية يُحدث نشازاً في ميزانيات الدول المستوردة، تماماً كما يحدث الكسر في كومة موسيقية.
إن المتأمل في تكرار الأزمات عبر السلاسل الزمنية بناءً على الفوارق والمضاعفات الزمنية ليس باباً من أبواب التشاؤم أو العلم بالغيب، بل هو قراءة علمية مجردة في نغمات رياضية تظهر ارتداداتها بانتظام، فمن كساد 1929 وركود 1973 البالغ 44 عاماً، إلى الدورات المعاصرة التي تتأرجح بين 8و12 سنة كأزمات 2008 و2020، يبدو أن الإيقاع محكوماً بهندسة متعمدة. برأيي،إن هذا الانتظام يثبت أن هذه الاهتزازات ليست فوضى عفوية بل أن المايسترو يعكس سياسات تتحكم في كومات السيولة العالمية،فالأزمات ليست مجرد كوارث بل هي أدوات تصحيحية قاسية وضرورية، تمهد الطريق نحو محطات إعادة هيكلة دورية، وربما أن القادم سيعيد كتابة قواعد اللعبة المالية لتُفتتح سمفونية اقتصادية وسياسية جديدة كلياً يحدد بها الطنين العالمي المتجدد. فوعينا بالبعد الطنيني ضرورة تجعلنا نتعامل مع الأزمات كموجات لضبط أوتارنا المالية لنعزف لحن نمونا الاقتصادي الخاص.
Dr.hhaddad@outlook.com