كلما حقق الأردن إنجازاً رياضياً في التايكوندو أو الكاراتيه أو الملاكمة عاد السؤال نفسه: لماذا نستطيع إنتاج أبطال عالميين وأولمبيين في بعض الرياضات الفردية، بينما لا نحقق ذات النجاح في بناء أندية ومنتخبات جماعية قادرة على المنافسة المستدامة عالمياً في كرة القدم وكرة السلة وغيرها من الألعاب الجماعية؟
لم تعد الرياضة في الدول المتقدمة مجرد نشاط ترفيهي أو شبابي، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته. فالرياضة تخلق الوظائف، وتجذب الاستثمارات، وتدعم السياحة، وتحرك قطاعات الإعلام والتكنولوجيا والتسويق. مثلاً، في بريطانيا تساهم الرياضة بما يقارب 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر أكثر من مليون وظيفة مباشرة. وفي العديد من الدول الأوروبية أصبحت الرياضة جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية.
يبلغ متوسط الإنفاق الحكومي في الاتحاد الأوروبي على الرياضة والأنشطة الترفيهية نحو 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي. كما تصل النسبة في بعض الدول مثل فنلندا والسويد والمجر إلى ما يقارب 0.7%. وفي المقابل لا يمتلك الأردن حتى اليوم حسابات وطنية متخصصة لقياس مساهمة الرياضة في الناتج المحلي الإجمالي بصورة دقيقة. فموازنة وزارة الشباب تمثل تقريباً0.07% إلى 0.08% من الناتج المحلي الإجمالي، وحوالي0.25% من إجمالي الإنفاق الحكومي تقريباً موزعة بين وزارة الشباب واللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية والجامعات والبلديات والقطاع الخاص.
المشكلة ليست فقط في حجم الإنفاق. فالدراسات الأوروبية الحديثة تشير إلى أن النجاح الرياضي لا يرتبط دائماً بحجم الأموال المنفقة، بل بكفاءة الإنفاق وجودة الإدارة والحوكمة والتنظيم. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم ننفق على الرياضة؟ بل: كيف نحول الرياضة إلى قطاع اقتصادي منتج؟
فالرياضة الحديثة تقوم على منظومة اقتصادية متكاملة تتكون من حقوق البث التلفزيوني، والرعاية والإعلانات، وبيع التذاكر، والعضويات، والأكاديميات الرياضية، والمنتجات الرسمية، والمحتوى الرقمي، والسياحة الرياضية. وكلما نضجت سلسلة القيمة المضافة لهذه المنظومة ازدادت قدرة الأندية والاتحادات على الاستثمار في اللاعبين والمدربين والبنية التحتية.
وفي معظم الدوريات العالمية الكبرى تشكل حقوق البث التلفزيوني المصدر الأكبر للدخل، تليها الرعاية والإعلانات، ثم التذاكر والمنتجات الرسمية والعضويات والأكاديميات. أما في الأردن فما زالت غالبية الأندية تعتمد على الدعم الحكومي أو شبه الحكومي أو التبرعات، فيما تبقى الإيرادات التجارية محدودة للغاية.
وهنا نصل إلى القضية الأهم: التسويق الرياضي. فالتسويق ليس مجرد وسيلة لزيادة دخل الأندية، بل هو المحرك الأساسي لتطوير الرياضة نفسها. فكل دينار إضافي يأتي من الرعاية أو الإعلان أو بيع المنتجات ينعكس على جودة التدريب، وعدد الأكاديميات، ومستوى المدربين، والقدرة على الاحتفاظ بالمواهب. بمعنى آخر، فإن الإعلان لا يمول الرياضة فقط، بل يطورها.
وهناك درس مهم من التجربة الأمريكية. فعلى الرغم من أن كرة القدم، أو ما يسمى في الولايات المتحدة 'Soccer'، هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فإنها لم تصبح تاريخياً اللعبة الأولى في السوق الأمريكي مقارنة بكرة القدم الأمريكية أو البيسبول أو كرة السلة. وأحد أسباب ذلك اقتصادي وإعلامي بامتياز.
فالسوق الرياضي الأمريكي تشكّل حول التلفزيون والإعلانات، والرياضات الأمريكية الكبرى تتضمن توقفات متكررة تسمح بعرض فواصل إعلانية كثيرة خلال المباراة. أما كرة القدم فهي لعبة ذات إيقاع مستمر ووقفات محدودة وقليلة، مما جعلها أقل جاذبية تقليدياً لشركات البث والتسويق التي تعتمد على بيع الإعلانات أثناء المباراة.
وهذا لا يعني أن كرة القدم غير مربحة، بل إن نموذجها التجاري مختلف. فهي تعتمد بصورة أكبر على الرعاية على القمصان، ولوحات الملاعب، وحقوق البث، والجمهور العالمي، والمنتجات الرسمية. أما كرة القدم الأمريكية فقد تطورت بطريقة تجعل كل توقف فرصة تجارية تعود على النوادي ومالكيها بعشرات الملايين. ومن هنا نفهم بل ونؤكد أن نجاح الرياضة لا يعتمد فقط على عدد اللاعبين أو المشجعين، بل على قدرة الرياضة على التحول إلى منتج إعلامي وتسويقي قابل للبيع.
وهذا الدرس مهم للأردن. فإذا كانت الرياضة الأردنية تريد جذب الإعلانات، فعليها ألا تعتمد فقط على وقت المباراة، بل أن تخلق منظومة تسويقية متكاملة تشمل المحتوى الرقمي، وقصص اللاعبين، والأكاديميات، والفعاليات الجماهيرية، والمنتجات الرسمية، ورعاية الفئات العمرية والفرق النسوية.
كما تقدم السعودية مثالاً مهماً على استخدام الرياضة كأداة اقتصادية واستراتيجية. فقد استثمرت المملكة السعودية بصورة ضخمة في كرة القدم، والملاكمة، والغولف، والفورمولا 1، واستقبلت البطولات العالمية. لم يكن الهدف رياضياً فقط، بل كان أيضاً اقتصادياً وسياحياً واستثمارياً وإعلامياً. فقد ساهمت هذه الاستثمارات في تغيير الصورة النمطية للمملكة لدى كثير من الجماهير العالمية، وأصبحت الرياضة جزءاً من استراتيجية بناء العلامة الوطنية السعودية، وجذب السياح والاستثمارات، وتعزيز القوة الناعمة للدولة.
أيضاً، استخدمت قطر الرياضة بطريقة مشابهة من خلال استضافة كأس العالم 2022، وتحويل الرياضة إلى منصة للتعريف بالدولة وتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية والدبلوماسية.
الدرس الذي يمكن للأردن الاستفادة منه لا يتعلق بحجم الإنفاق، فالإمكانات مختلفة، وإنما بالنظر إلى الرياضة باعتبارها استثماراً اقتصادياً وأداة للقوة الناعمة وليست مجرد نشاط ترفيهي. وتبرز هنا قضية أخرى غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش الرياضي الأردني، وهي الملكية الفكرية الرياضية. ففي الاقتصادات الرياضية المتقدمة لا يمثل شعار النادي مجرد رسم، ولا يمثل القميص مجرد قطعة قماش، ولا يمثل اسم النادي مجرد اسم. فهذه كلها أصول اقتصادية وتجارية.
في الاقتصاد الرياضي الحديث قد تكون قيمة شعار النادي أكبر من قيمة ملعبه. فقيمة العلامة التجارية لبعض الأندية العالمية تصل إلى مليارات الدولارات، وهي قيمة ناتجة عن الثقة والسمعة والجمهور والإنجازات المتراكمة. مثلاً قيمة شعار ريال مدريد تقارب 2 مليار دولار، وليفربول 1.6 مليار دولار، وبايرن ميونخ 1.5 مليار دولار، أي أنه لو فنيت جميع الملاعب لهذه الأندية، وخرج لاعبيها، فان قيمة أسمائها فقط تعد بالمليارات.
لذلك لم تعد الشعارات والقمصان مجرد رموز رياضية، بل أصبحت أصولاً اقتصادية تولد الدخل من المنتجات والرعايات والإعلانات والترخيص التجاري. وإذا أرادت الأندية الأردنية تحسين أوضاعها المالية، فعليها أن تتعامل مع علاماتها التجارية باعتبارها أصلاً استثمارياً يجب حمايته وتنميته وتسويقه، لا مجرد شعار يوضع على القميص أو على بوابة النادي. فعندما يشتري المشجع قميصاً رسمياً لنادٍ أوروبي فإن جزءاً من ثمنه يعود مباشرة للنادي. وعندما تستخدم شركة شعار النادي أو صور لاعبيه فإنها تدفع مقابلاً مالياً لذلك. أما في الأردن فما تزال الأسواق مليئة بالمنتجات المقلدة والقمصان غير المرخصة واستخدام الشعارات دون حماية كافية، وكل قميص مقلد يباع في السوق يمثل إيراداً ضائعاً للنادي، وقيمة اقتصادية مهدورة.
لكن حتى لو عالجنا قضايا التسويق والملكية الفكرية، يبقى السؤال: لماذا تنجح الرياضات الفردية في الأردن أكثر من الرياضات الجماعية؟ الجواب اقتصادي بالدرجة الأولى. فالرياضات الفردية تحتاج إلى استثمارات أقل بكثير. فمدرب جيد، ومركز تدريب مناسب، وعدد محدود من اللاعبين قد يكون كافياً لإنتاج بطل عالمي في التايكوندو أو الكاراتيه أو الملاكمة.
أما الرياضات الجماعية فتحتاج إلى منظومة كاملة تشمل الملاعب، والأكاديميات، والطب الرياضي، والتحليل الفني، والإدارة الاحترافية، والدوريات القوية، والرعاة، والجماهير، والبث التلفزيوني، والنقل، والإقامة، والتغذية، والتطوير المستمر.
بعبارة أخرى، فإن الرياضات الفردية تحتاج إلى موهبة، بينما تحتاج الرياضات الجماعية إلى صناعة. ولهذا فإن نجاح الأردن في التايكوندو ليس مفاجأة، كما أن تعثره في بناء فرق عالمية في الألعاب الجماعية ليس مفاجأة أيضاً.
إذا أراد الأردن إحداث نقلة نوعية في الرياضة، فإن الإصلاحات المطلوبة تتجاوز زيادة الدعم المالي. أولاً، إنشاء حساب وطني للرياضة يقيس مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل والاستثمار. ثانياً، تحويل الأندية الكبرى إلى مؤسسات احترافية ذات إدارات تجارية وتسويقية مستقلة. ثالثاً، تطوير نظام موحد لبيع حقوق البث الرياضي بما يزيد القيمة التجارية للدوريات المحلية. رابعاً، حماية الملكية الفكرية للأندية والاتحادات ومنع تسويق المنتجات المقلدة. خامساً، تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تستثمر في الرياضة والأكاديميات الرياضية. سادساً، تطوير البنية التحتية الرياضية المدرسية والجامعية وربطها بالأندية. سابعاً، إنشاء صناديق استثمار رياضي تسمح بمشاركة القطاع الخاص في تطوير الأندية والمنشآت الرياضية. ثامناً، بناء استراتيجية وطنية للتسويق الرياضي الرقمي تستهدف الجماهير داخل الأردن وخارجه. تاسعاً، ربط جزء من الدعم الحكومي للأندية بمؤشرات الأداء مثل عدد الناشئين، وحجم الدخل الذاتي، وعدد المشجعين، ومستوى الحوكمة والشفافية.
إن مستقبل الرياضة الأردنية لن يتحدد بعدد الملاعب التي نبنيها أو عدد البطولات التي نستضيفها فقط، بل بقدرتنا على بناء اقتصاد رياضي حقيقي. فالرياضة الحديثة لا تصنع الأبطال فقط، بل تصنع الوظائف والاستثمارات والنمو الاقتصادي، وتبني صورة الدول في الخارج، وتعزز قوتها الناعمة. إن معركة تطوير الرياضة في الأردن هي معركة اقتصاد وتنمية واستثمار.
لم تعد الرياضة في الدول المتقدمة مجرد نشاط ترفيهي أو شبابي، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته. فالرياضة تخلق الوظائف، وتجذب الاستثمارات، وتدعم السياحة، وتحرك قطاعات الإعلام والتكنولوجيا والتسويق. مثلاً، في بريطانيا تساهم الرياضة بما يقارب 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر أكثر من مليون وظيفة مباشرة. وفي العديد من الدول الأوروبية أصبحت الرياضة جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية.
يبلغ متوسط الإنفاق الحكومي في الاتحاد الأوروبي على الرياضة والأنشطة الترفيهية نحو 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي. كما تصل النسبة في بعض الدول مثل فنلندا والسويد والمجر إلى ما يقارب 0.7%. وفي المقابل لا يمتلك الأردن حتى اليوم حسابات وطنية متخصصة لقياس مساهمة الرياضة في الناتج المحلي الإجمالي بصورة دقيقة. فموازنة وزارة الشباب تمثل تقريباً0.07% إلى 0.08% من الناتج المحلي الإجمالي، وحوالي0.25% من إجمالي الإنفاق الحكومي تقريباً موزعة بين وزارة الشباب واللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية والجامعات والبلديات والقطاع الخاص.
المشكلة ليست فقط في حجم الإنفاق. فالدراسات الأوروبية الحديثة تشير إلى أن النجاح الرياضي لا يرتبط دائماً بحجم الأموال المنفقة، بل بكفاءة الإنفاق وجودة الإدارة والحوكمة والتنظيم. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم ننفق على الرياضة؟ بل: كيف نحول الرياضة إلى قطاع اقتصادي منتج؟
فالرياضة الحديثة تقوم على منظومة اقتصادية متكاملة تتكون من حقوق البث التلفزيوني، والرعاية والإعلانات، وبيع التذاكر، والعضويات، والأكاديميات الرياضية، والمنتجات الرسمية، والمحتوى الرقمي، والسياحة الرياضية. وكلما نضجت سلسلة القيمة المضافة لهذه المنظومة ازدادت قدرة الأندية والاتحادات على الاستثمار في اللاعبين والمدربين والبنية التحتية.
وفي معظم الدوريات العالمية الكبرى تشكل حقوق البث التلفزيوني المصدر الأكبر للدخل، تليها الرعاية والإعلانات، ثم التذاكر والمنتجات الرسمية والعضويات والأكاديميات. أما في الأردن فما زالت غالبية الأندية تعتمد على الدعم الحكومي أو شبه الحكومي أو التبرعات، فيما تبقى الإيرادات التجارية محدودة للغاية.
وهنا نصل إلى القضية الأهم: التسويق الرياضي. فالتسويق ليس مجرد وسيلة لزيادة دخل الأندية، بل هو المحرك الأساسي لتطوير الرياضة نفسها. فكل دينار إضافي يأتي من الرعاية أو الإعلان أو بيع المنتجات ينعكس على جودة التدريب، وعدد الأكاديميات، ومستوى المدربين، والقدرة على الاحتفاظ بالمواهب. بمعنى آخر، فإن الإعلان لا يمول الرياضة فقط، بل يطورها.
وهناك درس مهم من التجربة الأمريكية. فعلى الرغم من أن كرة القدم، أو ما يسمى في الولايات المتحدة 'Soccer'، هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فإنها لم تصبح تاريخياً اللعبة الأولى في السوق الأمريكي مقارنة بكرة القدم الأمريكية أو البيسبول أو كرة السلة. وأحد أسباب ذلك اقتصادي وإعلامي بامتياز.
فالسوق الرياضي الأمريكي تشكّل حول التلفزيون والإعلانات، والرياضات الأمريكية الكبرى تتضمن توقفات متكررة تسمح بعرض فواصل إعلانية كثيرة خلال المباراة. أما كرة القدم فهي لعبة ذات إيقاع مستمر ووقفات محدودة وقليلة، مما جعلها أقل جاذبية تقليدياً لشركات البث والتسويق التي تعتمد على بيع الإعلانات أثناء المباراة.
وهذا لا يعني أن كرة القدم غير مربحة، بل إن نموذجها التجاري مختلف. فهي تعتمد بصورة أكبر على الرعاية على القمصان، ولوحات الملاعب، وحقوق البث، والجمهور العالمي، والمنتجات الرسمية. أما كرة القدم الأمريكية فقد تطورت بطريقة تجعل كل توقف فرصة تجارية تعود على النوادي ومالكيها بعشرات الملايين. ومن هنا نفهم بل ونؤكد أن نجاح الرياضة لا يعتمد فقط على عدد اللاعبين أو المشجعين، بل على قدرة الرياضة على التحول إلى منتج إعلامي وتسويقي قابل للبيع.
وهذا الدرس مهم للأردن. فإذا كانت الرياضة الأردنية تريد جذب الإعلانات، فعليها ألا تعتمد فقط على وقت المباراة، بل أن تخلق منظومة تسويقية متكاملة تشمل المحتوى الرقمي، وقصص اللاعبين، والأكاديميات، والفعاليات الجماهيرية، والمنتجات الرسمية، ورعاية الفئات العمرية والفرق النسوية.
كما تقدم السعودية مثالاً مهماً على استخدام الرياضة كأداة اقتصادية واستراتيجية. فقد استثمرت المملكة السعودية بصورة ضخمة في كرة القدم، والملاكمة، والغولف، والفورمولا 1، واستقبلت البطولات العالمية. لم يكن الهدف رياضياً فقط، بل كان أيضاً اقتصادياً وسياحياً واستثمارياً وإعلامياً. فقد ساهمت هذه الاستثمارات في تغيير الصورة النمطية للمملكة لدى كثير من الجماهير العالمية، وأصبحت الرياضة جزءاً من استراتيجية بناء العلامة الوطنية السعودية، وجذب السياح والاستثمارات، وتعزيز القوة الناعمة للدولة.
أيضاً، استخدمت قطر الرياضة بطريقة مشابهة من خلال استضافة كأس العالم 2022، وتحويل الرياضة إلى منصة للتعريف بالدولة وتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية والدبلوماسية.
الدرس الذي يمكن للأردن الاستفادة منه لا يتعلق بحجم الإنفاق، فالإمكانات مختلفة، وإنما بالنظر إلى الرياضة باعتبارها استثماراً اقتصادياً وأداة للقوة الناعمة وليست مجرد نشاط ترفيهي. وتبرز هنا قضية أخرى غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش الرياضي الأردني، وهي الملكية الفكرية الرياضية. ففي الاقتصادات الرياضية المتقدمة لا يمثل شعار النادي مجرد رسم، ولا يمثل القميص مجرد قطعة قماش، ولا يمثل اسم النادي مجرد اسم. فهذه كلها أصول اقتصادية وتجارية.
في الاقتصاد الرياضي الحديث قد تكون قيمة شعار النادي أكبر من قيمة ملعبه. فقيمة العلامة التجارية لبعض الأندية العالمية تصل إلى مليارات الدولارات، وهي قيمة ناتجة عن الثقة والسمعة والجمهور والإنجازات المتراكمة. مثلاً قيمة شعار ريال مدريد تقارب 2 مليار دولار، وليفربول 1.6 مليار دولار، وبايرن ميونخ 1.5 مليار دولار، أي أنه لو فنيت جميع الملاعب لهذه الأندية، وخرج لاعبيها، فان قيمة أسمائها فقط تعد بالمليارات.
لذلك لم تعد الشعارات والقمصان مجرد رموز رياضية، بل أصبحت أصولاً اقتصادية تولد الدخل من المنتجات والرعايات والإعلانات والترخيص التجاري. وإذا أرادت الأندية الأردنية تحسين أوضاعها المالية، فعليها أن تتعامل مع علاماتها التجارية باعتبارها أصلاً استثمارياً يجب حمايته وتنميته وتسويقه، لا مجرد شعار يوضع على القميص أو على بوابة النادي. فعندما يشتري المشجع قميصاً رسمياً لنادٍ أوروبي فإن جزءاً من ثمنه يعود مباشرة للنادي. وعندما تستخدم شركة شعار النادي أو صور لاعبيه فإنها تدفع مقابلاً مالياً لذلك. أما في الأردن فما تزال الأسواق مليئة بالمنتجات المقلدة والقمصان غير المرخصة واستخدام الشعارات دون حماية كافية، وكل قميص مقلد يباع في السوق يمثل إيراداً ضائعاً للنادي، وقيمة اقتصادية مهدورة.
لكن حتى لو عالجنا قضايا التسويق والملكية الفكرية، يبقى السؤال: لماذا تنجح الرياضات الفردية في الأردن أكثر من الرياضات الجماعية؟ الجواب اقتصادي بالدرجة الأولى. فالرياضات الفردية تحتاج إلى استثمارات أقل بكثير. فمدرب جيد، ومركز تدريب مناسب، وعدد محدود من اللاعبين قد يكون كافياً لإنتاج بطل عالمي في التايكوندو أو الكاراتيه أو الملاكمة.
أما الرياضات الجماعية فتحتاج إلى منظومة كاملة تشمل الملاعب، والأكاديميات، والطب الرياضي، والتحليل الفني، والإدارة الاحترافية، والدوريات القوية، والرعاة، والجماهير، والبث التلفزيوني، والنقل، والإقامة، والتغذية، والتطوير المستمر.
بعبارة أخرى، فإن الرياضات الفردية تحتاج إلى موهبة، بينما تحتاج الرياضات الجماعية إلى صناعة. ولهذا فإن نجاح الأردن في التايكوندو ليس مفاجأة، كما أن تعثره في بناء فرق عالمية في الألعاب الجماعية ليس مفاجأة أيضاً.
إذا أراد الأردن إحداث نقلة نوعية في الرياضة، فإن الإصلاحات المطلوبة تتجاوز زيادة الدعم المالي. أولاً، إنشاء حساب وطني للرياضة يقيس مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل والاستثمار. ثانياً، تحويل الأندية الكبرى إلى مؤسسات احترافية ذات إدارات تجارية وتسويقية مستقلة. ثالثاً، تطوير نظام موحد لبيع حقوق البث الرياضي بما يزيد القيمة التجارية للدوريات المحلية. رابعاً، حماية الملكية الفكرية للأندية والاتحادات ومنع تسويق المنتجات المقلدة. خامساً، تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تستثمر في الرياضة والأكاديميات الرياضية. سادساً، تطوير البنية التحتية الرياضية المدرسية والجامعية وربطها بالأندية. سابعاً، إنشاء صناديق استثمار رياضي تسمح بمشاركة القطاع الخاص في تطوير الأندية والمنشآت الرياضية. ثامناً، بناء استراتيجية وطنية للتسويق الرياضي الرقمي تستهدف الجماهير داخل الأردن وخارجه. تاسعاً، ربط جزء من الدعم الحكومي للأندية بمؤشرات الأداء مثل عدد الناشئين، وحجم الدخل الذاتي، وعدد المشجعين، ومستوى الحوكمة والشفافية.
إن مستقبل الرياضة الأردنية لن يتحدد بعدد الملاعب التي نبنيها أو عدد البطولات التي نستضيفها فقط، بل بقدرتنا على بناء اقتصاد رياضي حقيقي. فالرياضة الحديثة لا تصنع الأبطال فقط، بل تصنع الوظائف والاستثمارات والنمو الاقتصادي، وتبني صورة الدول في الخارج، وتعزز قوتها الناعمة. إن معركة تطوير الرياضة في الأردن هي معركة اقتصاد وتنمية واستثمار.