في الحالة الإيرانية - الأمريكية، يجب قراءة أي تفاهم محتمل من زاوية إدارة الأزمة لا إنهائها. فالعلاقة بين الطرفين ليست نزاعًا طارئًا يمكن حله بوثيقة واحدة، بل هي صراع ممتد بين مشروعين سياسيين وأمنيين يتقاطعان في ملفات حساسة: البرنامج النووي، والعقوبات، وأمن الخليج، والنفوذ الإقليمي، ومستقبل الميليشيات الحليفة لإيران، وحسابات إسرائيل والدول العربية. لذلك فإن أي وثيقة أولية، مهما كانت أهميتها، تبقى أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منها إلى تسوية تاريخية نهائية.
الولايات المتحدة، في مثل هذا النوع من التفاهمات، لا تبحث فقط عن وقف إطلاق نار أو تهدئة عسكرية، بل عن ضمانات تمنع إيران من توسيع نفوذها أو الاقتراب أكثر من العتبة النووية. أما إيران، فهي لا تدخل التفاوض من موقع الرغبة في تقديم تنازلات مجانية، بل من موقع البحث عن تخفيف العقوبات، وتثبيت شرعيتها الإقليمية، وحماية أوراق الضغط التي بنتها خلال سنوات طويلة. ولهذا فإن كل طرف يقرأ مذكرة التفاهم (إطار اتفاق أولي) بطريقة مختلفة؛ فواشنطن قد تراها وسيلة لضبط السلوك الإيراني، بينما تراها طهران اعترافًا ضمنيًا بدورها وبحقها في أن تكون طرفًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.
وهنا تكمن الخطورة في توصيف الوثيقة. فإذا قيل إنها اتفاقية لإنهاء الحرب، فإن ذلك يوحي بوجود التزامات قانونية نهائية، وجدول تنفيذي واضح، وآليات رقابة، وضمانات دولية، وربما ترتيبات أمنية ملزمة. أما إذا كانت مذكرة تفاهم (إطار اتفاق أولي)، فهي غالبًا تعني وجود مبادئ عامة، ونوايا سياسية، ومرحلة انتقالية قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي. والفرق بين الحالتين ليس شكليًا، بل جوهري؛ لأن الاتفاقية تنقل الأطراف من حالة النزاع إلى حالة الالتزام، بينما تبقي مذكرة التفاهم الأطراف في منطقة رمادية بين الحرب والسلام.
كما أن أي تفاهم أمريكي إيراني لا يخص الطرفين وحدهما. فإسرائيل ستتعامل مع أي تخفيف للضغط على إيران باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها، خاصة إذا لم يتضمن قيودًا صارمة على البرنامج النووي والصواريخ الباليستية. ودول الخليج ستراقب الأمر بحذر شديد؛ لأن التفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران قد تُقرأ أحيانًا على أنها إعادة توزيع للنفوذ الإقليمي على حساب هواجس الحلفاء التقليديين. أما الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، فيهمه أن يؤدي أي تفاهم إلى خفض التصعيد لا إلى إطلاق يد إيران أو وكلائها في الإقليم.
المشكلة الكبرى أن مذكرات التفاهم في النزاعات المعقدة قد تتحول إلى مساحة للمناورة. فقد يلتزم كل طرف ظاهريًا بالتهدئة، لكنه يستمر عمليًا في تعزيز أوراقه على الأرض. فإيران قد تخفف الخطاب المباشر، لكنها لا تتخلى بسهولة عن نفوذها الإقليمي. والولايات المتحدة قد تجمد التصعيد العسكري، لكنها تبقي العقوبات والردع والوجود العسكري أدوات ضغط. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل وُقِّعت مذكرة تفاهم أم اتفاقية؟ بل: هل تتضمن الوثيقة آلية تنفيذ حقيقية؟ وهل توجد رقابة دولية؟ وهل هناك جدول زمني؟ وهل توجد عقوبات على الإخلال؟ وهل تشمل الملفات العسكرية والنووية والإقليمية، أم تكتفي بوقف مؤقت للأعمال العدائية؟
من الناحية السياسية، قد تكون مذكرة التفاهم (إطار اتفاق أولي) مفيدة؛ لأنها تمنع الانزلاق إلى حرب واسعة. فالمنطقة لا تحتمل مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران؛ لأن آثارها لن تقف عند حدود إيران أو القواعد الأمريكية، بل ستطال أسواق الطاقة، والملاحة في الخليج، وأمن العراق وسوريا ولبنان واليمن، وربما الداخل الإسرائيلي والفلسطيني. لذلك فإن التهدئة بحد ذاتها ليست أمرًا سلبيًا، لكنها تصبح خطيرة إذا جرى تقديمها للرأي العام على أنها سلام نهائي، بينما هي في حقيقتها تسوية مؤقتة معلقة على توازنات هشة.
أما من الناحية القانونية، فإن الاتفاقية النهائية تحتاج إلى نصوص واضحة ومحددة، وإلى تحديد طبيعة الالتزامات، والجهة الضامنة، وآليات فض النزاع، وطريقة التحقق من التنفيذ. أما مذكرة التفاهم، فهي غالبًا لا تمنح هذه الدرجة من اليقين. وقد تكون ملزمة سياسيًا أكثر مما هي ملزمة قانونيًا، وهذا يمنح الأطراف مرونة، لكنه يخلق، في المقابل، مساحة واسعة للتراجع والتأويل والاتهام المتبادل عند أول خلاف.
لذلك فإن الوصف الأدق لأي تفاهم أولي بين إيران والولايات المتحدة هو أنه محاولة لإدارة الصراع وليس لإنهائه. فهو إقرار بأن كلفة الحرب المباشرة أصبحت عالية، وأن الطرفين بحاجة إلى مخرج مؤقت يحفظ ماء الوجه ويمنع الانفجار. لكنه لا يعني أن جذور الصراع قد عولجت، ولا يعني أن الثقة قد وُلدت بين الطرفين، ولا يعني أن المنطقة دخلت مرحلة سلام حقيقي. فالسلام لا يُقاس بتوقيع ورقة، بل بمدى قدرة هذه الورقة على تغيير السلوك السياسي والعسكري على الأرض.
في النهاية، يجب الحذر من التضخيم والتبسيط معًا. فمذكرة التفاهم (إطار اتفاق أولي) ليست بلا قيمة، لكنها ليست اتفاقية سلام. إنها خطوة تكتيكية قد تفتح بابًا لتسوية أوسع، وقد تنهار إذا استخدمها أحد الطرفين استراحةً لإعادة التموضع. أما الاتفاقية الحقيقية لإنهاء الحرب، فتحتاج إلى ما هو أعمق بكثير: التزامات مكتوبة، وضمانات، ورقابة، وتنازلات مؤلمة، وإرادة سياسية قادرة على تحويل التهدئة من مناورة مؤقتة إلى استقرار دائم. وحتى يحدث ذلك، يبقى الحديث عن نهاية الحرب سابقًا لأوانه.
محامٍ وخبير قانوني