كتاب

الإعلام في زمن النزاعات: بين صناعة الانقسام وبناء الثقة المجتمعية

في أوقات النزاعات، لا تُخاض المعارك على خطوط التماس العسكرية فحسب، بل تدور أيضاً في فضاء الرواية والمعلومة والتأثير على الوعي الجمعي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلاً مؤثراً في تشكيل التصورات العامة، وصياغة المواقف السياسية والاجتماعية، وتحديد الكيفية التي تنظر بها المجتمعات إلى ذاتها وإلى الآخرين. ومن هنا تكتسب الكلمة والصورة والخطاب الإعلامي أهمية استثنائية، إذ يمكن أن تكون أدوات لبناء الجسور وتعزيز التفاهم، كما يمكن أن تتحول إلى وسائل لتكريس الانقسام وتغذية الاستقطاب وإطالة أمد النزاعات.
وتشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم أزمات ونزاعات معقدة وممتدة خلّفت تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة على ملايين الأشخاص. وفي ظل هذه السياقات الهشة، يصبح الوصول إلى المعلومات الدقيقة والموثوقة ليس مجرد مسألة تتعلق بحرية التعبير أو الحق في المعرفة، بل شرطاً أساسياً لحماية حقوق الإنسان وتعزيز قدرة الأفراد والمجتمعات على اتخاذ قرارات واعية ومستندة إلى الحقائق.
ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في عصر المنصات الرقمية، حيث تتدفق المعلومات بسرعة غير مسبوقة وتتراجع أحياناً الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتضليل. فالمعلومات المضللة والمحتوى الموجّه وخطابات الكراهية لم تعد ظواهر هامشية، بل أصبحت عوامل قادرة على التأثير المباشر في السلم المجتمعي، وعلى إعادة إنتاج الصور النمطية وتعميق الانقسامات القائمة على الهوية، أو الدين، أو الانتماء السياسي أو العرقي.
ويُعد الحق في حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك حرية الصحافة والإعلام، من الحقوق الأساسية التي كرستها المنظومة الدولية لحقوق الإنسان بوصفها ركيزة لا غنى عنها لأي مجتمع ديمقراطي. غير أن هذه الحرية تكتسب في أوقات النزاعات بعداً إضافياً يتمثل في المسؤولية المهنية والأخلاقية الملقاة على عاتق وسائل الإعلام والعاملين فيها. فالإعلام المسؤول لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يلتزم بالدقة والتحقق والاستقلالية واحترام الكرامة الإنسانية، ويتجنب الخطابات التي تنزع الإنسانية عن الأفراد أو الجماعات أو تبرر استهدافهم أو التحريض ضدهم.
وقد أظهرت تجارب دولية عديدة أن خطاب الكراهية والتحريض والشيطنة الممنهجة للآخر غالباً ما تشكل بيئة خصبة تسبق أو ترافق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وفي المقابل، فإن الإعلام الذي يلتزم بالمعايير المهنية ويسعى إلى تقديم روايات متوازنة وشاملة يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في الحد من التوترات وتعزيز التماسك الاجتماعي وفتح مساحات للحوار حتى في أكثر البيئات استقطاباً.
ولا يقتصر دور الإعلام في أوقات النزاعات على نقل الأخبار أو تفسير الأحداث، بل يمتد إلى الإسهام في تعزيز المساءلة وحماية الضحايا. فمن خلال التوثيق المهني للانتهاكات وتسليط الضوء على معاناة المدنيين وإبقاء قضاياهم في دائرة الاهتمام العام، يساهم الإعلام في مكافحة الإفلات من العقاب وفي دعم الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة والإنصاف. كما يشكل هذا التوثيق جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية للمجتمعات، وهي ذاكرة ستستند إليها مستقبلاً عمليات العدالة الانتقالية والمصالحة وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
ومن الضروري كذلك ضمان أن تعكس التغطية الإعلامية تعددية الأصوات والخبرات الإنسانية خلال النزاعات، بما يشمل النساء والشباب والنازحين والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأخرى التي غالباً ما يتم تهميشها أو تغييبها عن الفضاء العام. فإعطاء مساحة لهذه الأصوات لا يعزز فقط شمولية الخطاب الإعلامي، بل يساهم أيضاً في بناء فهم أكثر عمقاً وتعقيداً للواقع بعيداً عن الاختزال والاستقطاب.
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد مسؤولية بناء الثقة ومواجهة التضليل تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية وحدها. فشركات التكنولوجيا، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، وصناع السياسات، جميعهم يتحملون مسؤولية مشتركة في تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية، وتطوير آليات فعالة لمواجهة المعلومات المضللة وخطابات الكراهية مع احترام الحقوق والحريات الأساسية.
إن بناء الثقة في زمن النزاعات ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية النسيج الاجتماعي ومنع تفكك المجتمعات وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام مستدام. وفي هذا السياق، يمكن للإعلام أن يكون جزءاً من المشكلة أو جزءاً من الحل. وعندما يستند إلى مبادئ المهنية والاستقلالية وحقوق الإنسان، فإنه يصبح أداة لتعزيز التفاهم الإنساني، وجسراً للحوار بين المجتمعات، ومنصة لدعم قيم العدالة والكرامة والمساواة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الاستثمار في إعلام مهني ومستقل ومتعدد الأصوات، قادر على تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، وإفساح المجال أمام مختلف وجهات النظر، وإعطاء مساحة للأصوات التي غالباً ما تُهمَّش خلال النزاعات، بما في ذلك النساء والشباب والنازحون والأشخاص ذوو الإعاقة. كما أن للإعلام دوراً محورياً في تعزيز المساءلة من خلال تسليط الضوء على الانتهاكات والتجاوزات، وإبقاء معاناة الضحايا في دائرة الاهتمام العام، بما يساهم في حماية حقوق الإنسان ومنع الإفلات من العقاب. فالتوثيق المهني للوقائع لا يخدم الحاضر فحسب، بل يشكل أيضاً جزءاً من الذاكرة الجماعية التي ستستند إليها جهود العدالة والمصالحة مستقبلاً.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتسارع فيه المعلومات وتتعمق فيه الانقسامات، تظل الحاجة ملحة إلى إعلام يضع الإنسان في صلب رسالته، ويعلي من شأن الحقيقة، ويعزز الثقة بدلاً من الخوف، والتضامن بدلاً من الكراهية، والأمل بدلاً من اليأس. فالإعلام المسؤول ليس مجرد شاهد على التاريخ، بل شريك في صناعة مستقبل أكثر سلاماً وعدالة وإنسانية.
* الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان للشرق الأوسط وشمال أفريقيا