عربي ودولي

ملامح واقع جديد يكرّس التقسيم الميداني في غزة

يكشف تقييم استراتيجي إسرائيلي–أمريكي عن تحوّل جذري في الرؤية تجاه مستقبل قطاع غزة، ينتقل من منطق «إدارة الصراع» إلى فرض معادلة جغرافية وسياسية جديدة تقوم على تقسيم القطاع إلى شطرين: منطقة خضراء يُعاد فيها بناء الحياة تحت مظلة أمنية مشددة، وأخرى حمراء تُترك في عزلة وخراب، يفصل بينهما خط أصفر تُطلق النار على كل من يقترب منه.

هذا التصور، الذي يبلوره معهد القدس للاستراتيجيا والأمن (JISS)، ويجد صدى له في دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب، لا يبدو وليد اللحظة، بل هو تتويج لقناعة ترسخت خلال سنة من القتال الضاري، مفادها أن الحسم العسكري الكامل ضد حماس بات هدفاً غير واقعي، وأن كلفة الاحتلال الشامل تفوق أي مكسب استراتيجي محتمل.

وكانت خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لإعادة إعمار غزة قد طُرحت كتصور لإنهاء الملف، إلا أنها سرعان ما تراجعت أمام تعقيدات الميدان، والرفض الإسرائيلي لإشراك سلطة تكنوقراط فلسطينية في إدارة القطاع، إلى جانب غياب أي تحالف دولي مستعد لتحمل مسؤولية نزع سلاح حماس.

ومع انسداد هذه الخيارات، بدأت مراكز القرار في إسرائيل والولايات المتحدة بالبحث عن بديل عملي، ليبرز خيار التقسيم كعنوان رئيسي للمرحلة الجديدة.

ووفقاً للبروفيسور أفرايم عنبار، الباحث البارز في «JISS»، فإن هذا التوجه يستند إلى قراءة واقعية تعتبر أن إسرائيل لم تنجح في القضاء على حماس في الضفة الغربية رغم وجودها العسكري هناك منذ عام 1967، فكيف يمكن تحقيق ذلك في قطاع غزة.

ومن هذا المنطلق، أصبح التعامل مع «جيب» لحماس تحت الحصار، مع تنفيذ عمليات عسكرية متكررة، خياراً مطروحاً ومقبولاً في أوساط استراتيجيين إسرائيليين.

ويذهب هذا التحليل إلى اعتبار أن الاحتلال الكامل لغزة يمثل فخاً استراتيجياً معقداً، إذ إن التوغل داخل المناطق المأهولة بالسكان يحوّل الجيش الإسرائيلي من جيش نظامي إلى قوة احتلال تواجه حرب عصابات، ويضع عليه مسؤولية إدارة حياة نحو مليوني فلسطيني، في وقت يتزايد فيه الإرهاق الشعبي الإسرائيلي من الحرب والرغبة في العودة إلى الحياة الطبيعية.

وانطلاقاً من ذلك، يُطرح مخطط التقسيم بوصفه حلاً وظيفياً لهذه المعضلة، إذ يهدف إلى تقليل العبء الإداري عبر إبقاء المسؤولية المدنية عن سكان المنطقة الحمراء، التي تضم الغالبية السكانية، ضمن نطاق المجتمع الدولي، بينما تحتفظ إسرائيل بحرية العمل العسكري. وفي الوقت نفسه، يتيح هذا النموذج تقليل الاحتكاك المباشر من خلال السيطرة على مناطق محددة أقل كثافة سكانية، بما يحد من الخسائر البشرية والمادية.

ويصف اللواء احتياط يوسي كوبرفاسر، رئيس المعهد، هذه الاستراتيجية بأنها ليست حلاً نهائياً، بل هي شكل من أشكال «جزّ العشب» الدوري، يقوم على عمليات اغتيال وتدمير محسوب، بهدف إبقاء حركة حماس تحت ضغط مستمر، مع الإقرار بأن نزع سلاحها الكامل يبقى الهدف الحقيقي، لكنه بعيد المنال في الظروف الحالية.

وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة، التي كانت تدفع باتجاه حلول سياسية شاملة، بدأت تتبنى تدريجياً قراءة أكثر واقعية للواقع الميداني.

فقد أظهرت الحرب وتعقيداتها أن حماس ليست مجرد تنظيم عابر، بل بنية اجتماعية ومسلحة قادرة على إعادة إنتاج نفسها وترميم قدراتها رغم الخسائر الكبيرة.

وفي هذا السياق، يتبلور تصور يقوم على تقسيم القطاع إلى مناطق خضراء وحمراء، حيث تشكل المنطقة الخضراء نحو 53% من المساحة، وتخضع لسيطرة إسرائيلية فعلية، ويُفترض أن تُقام فيها مجتمعات فلسطينية جديدة ضمن إجراءات تدقيق أمني مشدد، مع بدء عمليات إعادة إعمار وفق معايير دولية. في المقابل، تمتد المنطقة الحمراء على نحو 47% من القطاع، وتضم الكتلة السكانية الأكبر بما يقارب مليوني فلسطيني يعيشون في أوضاع إنسانية صعبة، مع بقاء هذه المناطق تحت نفوذ حماس الفعلي، ومن دون شمولها بعمليات الإعمار، في محاولة لفرض ضغط داخلي على الحركة.

أما الخط الأصفر، فيمثل شريطاً عازلاً يفصل بين المنطقتين، وقد تقدم في بعض المواقع إلى عمق يتجاوز كيلومتراً داخل القطاع، مع اعتماد قواعد اشتباك صارمة تقضي بإطلاق النار على كل من يحاول تجاوزه، ما أسهم في ترسيخ واقع ميداني جديد يعزز التمدد الإسرائيلي في بعض المناطق.

ويرى عدد من خبراء حقوق الإنسان والمحللين السياسيين أن هذا النموذج لا يقتصر على كونه إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل يعكس محاولة لإعادة إنتاج أنماط من التقسيم الجغرافي والسياسي شبيهة بتجارب سابقة في مناطق صراع أخرى، بما يكرّس واقعاً جديداً يصعب تغييره لاحقاً، على غرار ما حدث مع جدار الفصل في الضفة الغربية.

في المقابل، قد يواجه هذا النموذج تداعيات قانونية وسياسية على المستوى الدولي، إذ قد يُنظر إليه باعتباره تكريساً لواقع احتلال طويل الأمد، وما يرتبط به من اتهامات بالتهجير القسري وانتهاك قواعد القانون الدولي، رغم ما قد يرافقه حالياً من صمت نسبي في الساحة الدولية.