عربي ودولي

الاتفاق الأميركي الإيراني يشعل عاصفة سياسية في إسرائيل

أحدثت وثيقة مسرّبة يُعتقد أنها تمثل «مذكرة تفاهم» بين الولايات المتحدة وإيران عاصفة سياسية وإعلامية داخل إسرائيل، بعدما كشفت تفاصيل اتفاق يُفترض توقيعه في سويسرا غدا الجمعة، وسط اتهامات لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقديم تنازلات واسعة لطهران، وتجاهل المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل المواجهة في لبنان.

وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، عبر مراسلها السياسي والعسكري إيتمار آيخنر، تفاصيل الوثيقة التي جرى تداولها أولاً من قبل معارضين إيرانيين في الخارج قبل أن تنشرها قناة العربية، مشيرة إلى أن مضامينها تتقاطع مع معلومات وردت في تقارير أخرى، من بينها تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال.

وبحسب الوثيقة، فإن الاتفاق المقترح ينص على إنهاء الحرب بشكل فوري ودائم على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع التزام متبادل بعدم استخدام القوة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما يمنح الطرفين مهلة ستين يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي قابل للتمديد، ويتضمن إعادة فتح الممرات البحرية وعودة الملاحة التجارية في الخليج وبحر عمان خلال ثلاثين يوماً، إلى جانب ترتيبات أمنية واقتصادية واسعة.

وتشير الوثيقة إلى تعهد أميركي بإعداد خطة لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني بتمويل لا يقل عن 300 مليار دولار من خلال صندوق استثماري خاص، إضافة إلى رفع العقوبات الأميركية والأممية وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه لاحقاً، ومنح إعفاءات فورية لصادرات النفط الإيراني والخدمات المرتبطة بها، فضلاً عن الإفراج الكامل عن الأصول الإيرانية المجمدة.

وفي الملف النووي، تؤكد إيران التزامها بعدم إنتاج أسلحة نووية، بينما تؤجل القضايا الأكثر حساسية، مثل مستويات التخصيب وكميات المواد النووية المسموح بها، إلى المفاوضات النهائية.

كما ينص الاتفاق على الإبقاء على الوضع القائم خلال فترة التفاوض، بحيث تحتفظ إيران ببرنامجها النووي الحالي مقابل امتناع الولايات المتحدة عن فرض عقوبات جديدة.

وأثارت هذه البنود موجة انتقادات واسعة داخل إسرائيل، حيث اعتبر عدد من المسؤولين والمحللين أن الاتفاق يمنح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة من دون الحصول على تنازلات جوهرية تتعلق ببرنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية. وكتب الوزير في حزب الليكود تساحي هنغبي أن الاتفاق يمثل «فشلاً معروفاً مسبقاً»، منتقداً ما وصفه بتراجع الإدارة الأميركية عن مطالبها السابقة المتعلقة بإزالة اليورانيوم المخصب والصواريخ الباليستية ومنشآت التخصيب.

ويبرز الملف اللبناني باعتباره إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية بين واشنطن وتل أبيب، إذ تنص الوثيقة صراحة على إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، في حين رفضت إسرائيل اعتبار نفسها ملزمة بهذا البند.

وأكد السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، فيما أبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإدارة الأميركية أن بلاده لا ترى نفسها مقيدة بما ورد في هذا الشأن.

في المقابل، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن إنهاء الحرب في لبنان يشكل جزءاً أساسياً من أي تسوية شاملة، وهو موقف يتقاطع مع القراءة الأميركية الرسمية لمضمون الاتفاق.

كما أثارت التسهيلات الاقتصادية المقترحة لإيران انتقادات حادة داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، حيث رأى مسؤولون أن منح إعفاءات نفطية فورية والإفراج عن أصول مالية ضخمة يتناقضان مع الأهداف المعلنة للحرب وسياسة الضغط الاقتصادي على طهران، ووصف بعضهم الاتفاق بأنه «كارثة» لا تحقق أياً من الأهداف التي دفعت نحو التصعيد.

وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد التوتر السياسي بين واشنطن وتل أبيب، إذ تحدثت تقارير إسرائيلية عن خلافات متزايدة بين ترامب ونتنياهو، وصلت إلى حد تبادل الانتقادات العلنية. واعتبر محللون إسرائيليون، من بينهم تسفي برئيل وأورلي أزولاي، أن نتنياهو خسر أدوات التأثير الرئيسية على الإدارة الأميركية، سواء على المستوى الاستخباراتي أو العسكري أو السياسي، في وقت باتت فيه واشنطن أكثر استعداداً لتقديم تنازلات لطهران من أجل التوصل إلى تسوية شاملة.

ورغم التوجه نحو توقيع الاتفاق، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، وتدرس توسيع انتشارها في مناطق إضافية مثل النبطية وإقليم التفاح، ما يزيد من الشكوك حول إمكانية تنفيذ البنود المتعلقة بوقف العمليات العسكرية أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية.

وتباينت ردود الفعل داخل الحكومة الإسرائيلية بين القبول الحذر والرفض الصريح. ففي حين أعرب نتنياهو عن تقديره لما وصفه بالتزام أميركي بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، هاجم وزراء بارزون، بينهم أيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الاتفاق واعتبروه اتفاقاً سيئاً لا يلزم إسرائيل بأي شكل من الأشكال.

كما استغلت المعارضة الإسرائيلية الجدل الدائر حول الاتفاق لتوجيه انتقادات مباشرة إلى نتنياهو، حيث دعا يائير لابيد وبيني غانتس إلى استقالته، معتبرين أن السياسات التي اتبعها قادت إلى ما وصفاه بأكبر فشل استراتيجي تواجهه إسرائيل في تاريخها الحديث.

ويبدو أن مذكرة التفاهم، في حال توقيعها، ستؤسس لواقع سياسي وأمني جديد في المنطقة، يمنح إيران متنفساً اقتصادياً واسعاً ويكرس استمرار برنامجها النووي ضمن ضوابط يتم التفاوض عليها لاحقاً، بينما يفتح الباب أمام خلافات متزايدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن مستقبل لبنان وطبيعة التعامل مع طهران، في ظل إصرار تل أبيب على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية وعدم الالتزام الكامل ببعض بنود الاتفاق.