رياضة

النشامى.. ظهور مونديالي تاريخي

المنتخب الوطني خسر النتيجة.. ويكسب الاحترام العالمي

التعويض يبدأ من بوابة الجزائر

كسب المنتخب الوطني لكرة القدم احترام الجميع رغم تعثره في افتتاح مشواره ببطولة كأس العالم 2026، بالخسارة غير المنصفة أمام منافسه في المجموعة العاشرة النمسا ١/٣.

لم تعكس النتيجة الصورة الحقيقية التي ظهر عليها النشامى في أول مشاركة مونديالية له، وهو ما يبشر بالخير في قادم المحطات، نظراً للأداء والشخصية التي ظهر بها.

وتابع سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد المباراة ورافقه سمو الأميرة رجوة الحسين، وسمو الأمير علي بن الحسين رئيس الاتحاد، وسمو الأمير هاشم بن عبدالله الثاني.

ولم تكن مواجهة «النشامى» أمام النمسا مجرد مباراة افتتاحية في المونديال، بل كانت لحظة تاريخية انتظرها الأردنيون لعقود طويلة، وعلى الرغم من النتيجة، فإن النشامى خرج من ملعب سان فرانسيسكو مرفوع الرأس بعد أداء أكد للجميع أن الأردن لم يحضر إلى المونديال من أجل المشاركة فقط، بل من أجل المنافسة وترك بصمة تليق بتاريخ وطن كامل وجماهير آمنت بحلم تحقق أخيراً.

ودخل المدرب جمال السلامي المباراة بتشكيلة ضمت يزيد أبو ليلى في حراسة المرمى، وأمامه يزن العرب وعبدالله نصيب ومحمد أبو النادي، وعلى الأطراف تواجد القائد إحسان حداد ومهند أبو طه، وزين المنتصف نور الروابدة ونزار الرشدان، فيما قاد الخط الأمامي الثلاثي موسى التعمري وعلي علوان وعودة الفاخوري، مع اعتماد الرسم التكتيكي الذي منح المنتخب شخصية هجومية وشجاعة واضحة أمام أحد أقوى المنتخبات الأوروبية.

ورغم التقدم النمساوي في الشوط الأول عبر رومانو شميد، فإن المنتخب الوطني لم يتراجع ولم يكتف بالدفاع، بل واصل اللعب بثقة وخلق فرصاً حقيقية على مرمى المنافس، مؤكداً أن الفارق بين المنتخبين لم يكن بالحجم الذي توقعه كثيرون قبل اللقاء.

علي علوان يكتب التاريخ

عندما سجل علي علوان هدف التعادل في الدقيقة 50، لم يكن الهدف مجرد كرة سكنت الشباك، بل كان لحظة خالدة في ذاكرة الرياضة الأردنية، إذ أصبح أول لاعب يسجل هدف أردني في تاريخ نهائيات كأس العالم.

الهدف جاء بطريقة عكست شخصية النشامى؛ سرعة وثقة وشجاعة وإصرار على العودة، حيث انطلق علوان في هجمة مرتدة مثالية قبل أن يصوب تسديدة ذكية رائعة ثبتت الحارس شلاجر وسكنت الشباك النمساوية، معلناً أن الأردن قادر على مقارعة الكبار حتى في أكبر مسرح كروي في العالم.

كما حمل الاحتفال رسالة وفاء للنجم الغائب يزن النعيمات عندما رفع قميصه بعد التسجيل، في مشهد مؤثر حظي بإشادة واسعة بين الجماهير ووسائل الإعلام.

وبناء على تلك المعطيات، تم اختيار علوان أفضل لاعب في المباراة ليثبت أن كرة القدم كثيراً ما تظلم، وكثيراً ما تحكم أحكاماً غير منصفة، وفي حديثه بعد نيل الجائزة أكد أن الحلم قائم والسعي دائم».

نتيجة لا تعكس الحقيقة

بعد نهاية اللقاء، اتفقت العديد من التحليلات الفنية على أن النتيجة النهائية كانت قاسية مقارنة بما جرى فوق أرض الملعب.

فمنتخب النشامى نجح في مجاراة النسق البدني والفني للنمسا لفترات طويلة، وفرض شخصيته في العديد من مراحل المباراة، بل إن بعض القراءات الفنية اعتبرت أن النشامى كان الأفضل في أجزاء مهمة من المواجهة، خصوصاً بعد العودة إلى أجواء اللقاء بهدف التعادل، كما أشارت التحليلات التي توالت بعد نهاية المواجهة إلى أن التفاصيل الصغيرة والتركيز في اللحظات الحاسمة والتفوق البدني الأوروبي خلال الدقائق الأخيرة كانت من أبرز العوامل التي رجحت كفة النمسا، ولكنها لم تنسى وقفة النشامى والظهور المميز وغير المتوقع لبعض النقاد الذين حاولوا التقليل من شأن المنتخب.

ولم يكن غريباً أن يخرج المدرب جمال السلامي بعد المباراة مؤكداً أن منتخبه لا يستحق الخسارة بهذه الصورة، معبراً عن فخره الكبير بما قدمه اللاعبون في أول ظهور مونديالي بتاريخ الكرة الأردنية.

وأكد السلامي أن الأداء كان مشرفاً وأن النتيجة لا تعكس حجم الجهد الذي بذله اللاعبون طوال اللقاء، والانضباط التكتيكي الذي أخرج منتخب النمسا الذي يحتل المركز ٢٤ عالمياً.

التبديلات تثير الجدل

أحد أكثر الملفات التي أثارت النقاش بين الجماهير والمحللين كان توقيت التبديلات في المنتخب، ورأى كثيرون أن الجهاز الفني تأخر نسبياً في إجراء بعض التغييرات، خاصة بعد هدف التعادل، حيث بدا أن الفريق بحاجة إلى ضخ دماء جديدة للحفاظ على الإيقاع البدني المرتفع أمام منتخب يملك عمقاً كبيراً في دكة البدلاء، ولمجاراة التبديلات التي أجراها رالف رانغنيك مدرب النمسا.

لكن ومن جهة أخرى، يمكن تفهم رؤية السلامي الذي فضّل الإبقاء على المجموعة الأساسية لفترة أطول بعد أن نجحت في العودة بالمباراة وفرضت أفضل فترات المنتخب خلال الشوط الثاني، وربما كان المدرب يراهن على الاستقرار الفني وعدم إحداث تغييرات مبكرة قد تؤثر على التوازن التكتيكي الذي نجح النشامى في الوصول إليه.

وفي النهاية تبقى هذه من التفاصيل الطبيعية التي ترافق أي مباراة كبيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأول ظهور في كأس العالم أمام منافس يمتلك خبرات طويلة على هذا المستوى.

لماذا خسر النشامى؟

البحث عن أسباب الخسارة لا يعني توجيه اللوم، بل محاولة قراءة الواقع بصورة منصفة.

أول الأسباب يتمثل في الخبرة المونديالية، فالنمسا تدخل البطولة وهي معتادة على مواجهة منتخبات الصف الأول عالمياً، بينما يخوض المنتخب أول تجربة له على الإطلاق في هذا المحفل الكبير.

السبب الثاني يتعلق بالتفاصيل الصغيرة داخل منطقة الجزاء، حيث استغل المنتخب النمساوي بعض اللحظات الحاسمة بكفاءة عالية، بينما لم يستثمر النشامى جميع الفرص التي سنحت لهم.

أما العامل الثالث فكان الجانب البدني خلال الدقائق الأخيرة، إذ بدا واضحاً أن الإيقاع الأوروبي المرتفع لعب دوراً مؤثراً في حسم المباراة، خاصة مع اقتراب اللقاء من نهايته.

ومع ذلك، فإن هذه الأسباب لا تنتقص من قيمة الأداء الأردني، بل تؤكد أن الفوارق كانت محدودة وأن المنتخب قادر على التطور أكثر مع كل مباراة يخوضها في البطولة.

الجماهير.. لاعب أساسي

في المدرجات ومن خلف الشاشات، قدمت الجماهير الأردنية لوحة وطنية رائعة.

من عمان إلى إربد والزرقاء والعقبة، ومن الجاليات الأردنية في الولايات المتحدة وكندا ومختلف أنحاء العالم، عاش الأردنيون ليلة استثنائية عنوانها الفخر قبل أي شيء آخر.

كما حظي المنتخب بدعم عربي واسع، حيث اعتبر كثير من المتابعين أن النشامى قدموا نموذجاً مشرفاً للكرة العربية، وأثبتوا أن المنتخبات العربية باتت قادرة على مقارعة المدارس الكروية الكبرى بثقة وشخصية واضحة. كما عكست النقاشات الجماهيرية العربية قدراً كبيراً من الاحترام للأداء الأردني رغم الخسارة.

الجزائر.. فرصة جديدة

إذا كان لقاء النمسا قد انتهى بالخسارة، فإن الرسالة الأهم التي خرج بها الأردنيون هي أن المنتخب قادر على المنافسة.

المواجهة المقبلة أمام الجزائر الاسبوع المقبل ستكون محطة جديدة وفرصة حقيقية للتعويض وإعادة إحياء آمال التأهل. وما قدمه النشامى أمام النمسا يمنح الجماهير أسباباً كثيرة للتفاؤل، لأن الفريق أظهر شجاعة كبيرة وقدرة على العودة في النتيجة وروحاً قتالية لم تغب حتى صافرة النهاية.

ولأن كأس العالم لا يحسم من مباراة واحدة، والمشوار لا يزال طويلاً، وإذا تمكن المنتخب من تصحيح بعض التفاصيل الفنية والحفاظ على الروح التي ظهر بها أمام النمسا، فإن التعويض يبقى ممكناً، بل إن كتابة فصل جديد من الحلم الأردني ما زالت قائمة.

مكاسب كبيرة

رغم النتيجة المزعجة في أول مباراة مونديالية بتاريخه.. النشامى كسب احترام العالم، وكسب ثقة جماهيره، والأهم أثبت أن الأردن يستحق مكانه بين كبار كرة القدم العالمية.

والأكيد أن موعد الجزائر لن يكون نهاية الحلم، بل قد يكون بداية فصل جديد أكثر إشراقاً في قصة النشامى المونديالية.