يبدأ الشاب الأردني حياته بحلم بسيط؛ زواج دافئ يتسع لطموحاته، فيصطدم بكلفة أولية لا تقل عن عشرة آلاف دينار، أو يفكر في فتح مشروع صغير ليرمم به مستقبله، فتطالبه البنوك بكفيل يتجاوز راتبه الألفي دينار، وحين يبحث عن سيارة توفر عليه عناء التنقل والوقت، يكتشف أن قسطها يأكل نصف جهده الشهري، ليستسلم في نهاية المطاف لمعادلة ثلاثية الأبعاد: يبدأها بالقرض، ويمر بعذاب القسط، وينتهي بضريبة الاكتئاب المالي.
هذه ليست قصة عابرة أو حالة فردية، بل هي الملامح البنيوية لواقع مرير يعيشه مئات الآلاف من شبابنا الذين تحول طموحهم بالاستقرار إلى كابوس ممتد من الفوائد المتراكمة والديون المزمنة، ولا سيما حين نتأمل الأرقام الصارخة الصادرة عن البنك المركزي الأردني في تقرير الاستقرار المالي، والتي تكشف أن مديونية الأفراد لدى البنوك قد تجاوزت حاجز الـ 13.3 مليار دينار، مع وجود نحو 970 ألف مقترض يئنون تحت وطأة التزاماتهم؛ حيث تلتهم أقساط القروض والفوائد ما معدله 44.2% من دخل الفرد الشهري، وهي النسبة التي وإن اعتبرت 'مقبولة' ضمن الهوامش والمقاييس الدولية، إلا أنها تطرح السؤال الأكثر غياباً في أروقة التخطيط: ماذا يتبقى للشاب بعد هذا الاقتطاع القاسي لمواجهة متطلبات المعيشة، والإيجارات المتصاعدة، وفواتير الخدمات الأساسية؟
إن الخطر الحقيقي هنا يتجاوز الأثر الاقتصادي المباشر على النمو والاستهلاك، ليمس العصب الاجتماعي والاستقرار البشري، خصوصاً مع قفز نسبة التعثر من 3.8% إلى 4.9% خلال عام واحد، في إشارة حمراء تؤكد أن قدرة الشباب على الصمود والالتزام قد بدأت تتآكل فعلياً.
والمفارقة هنا تزداد قتامة حين نرى التفاوت الصارخ في توزيع هذه الديون، إذ تُمنح 78.7% من القروض للذكور مقابل 21.3% فقط للإناث، ما يضعنا أمام تحدٍّ مركب تواجهه الشابة الأردنية التي تعاني أصلاً من تضييق في سوق العمل، لتجد نفسها اليوم محرومة من فرص الوصول الميسر للتمويل.
وأمام هذا المشهد المظلم، تظهر بعض المبادرات الرسمية كبقعة ضوء خافتة تحاول لجم الأزمة، مثل الاتفاقية الموقعة بين وزارة العمل وصندوق التنمية والتشغيل لتقديم قروض حسنة بقيمة إجمالية تصل لمليون دينار لعام 2026 تستهدف خريجي التدريب المهني بمبالغ تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف دينار وفترة سداد ممتدة، إلى جانب قروض المشاريع التي يقدمها الصندوق بسقف 15 ألف دينار، إلا أن هذه المبالغ المتواضعة تظل قاصرة عن مجاراة الاحتياجات الطاحنة للشباب، في وقت تضع فيه البنوك التجارية شروطاً تعجيزية للقروض الشخصية كاشتراط رواتب لا تقل عن 450 ديناراً، لتستبعد بذلك الشريحة الأكبر من المتعطلين أو العاملين بعقود مؤقتة وغير مستقرة.
وفي ظل غياب البدائل الحقيقية ونفاد الخيارات أمام أكثر من 70% من الشباب الذين يرون في غياب التمويل عائقهم الأكبر، يبرز القرض الحسن كبديل شرعي واجتماعي غائب أو محدود الانتشار بسبب ضعف الاستثمار فيه، بينما تظل منصات التمويل الجماعي (Crowdfunding) –مثل تجارب 'BeeezCrowd' أو 'ليوا'– خطوة واعدة وجسراً يربط الابتكار برؤوس الأموال، لكنها لا تزال في بداياتها وتصطدم بغياب الوعي المجتمعي وتحديات الأطر التنظيمية الحامية التي تلزم هيئة الأوراق المالية وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات بصياغتها بشكل عاجل.
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب خريطة طريق وطنية جريئة، تبدأ من تأسيس صندوق وطني مستدام وموسع للإقراض الميسر بلا فوائد، بميزانية لا تقل عن 50 مليون دينار سنوياً تمنح فترات سماح حقيقية تمتد لسنة كاملة، لتشمل مجالات الزواج، والسكن، والمشاريع الريادية؛ فاستثمار الدولة في استقرار شبابها هو استثمار في أمنها القومي والاقتصادي.
كما غدا من الضروري فرض برامج وعي وثقافة مالية إلزامية قبل توقيع أي شاب على مستندات الاستدانة، ليدرك أبعاد الفوائد الثابتة والمتناقصة ويسلح نفسه بالمعرفة ضد مخاطر التعثر، بدلاً من تركه وحيداً في مواجهة شروط مجحفة لا يدرك عواقبها إلا بعد فوات الأوان.
الخلاصة التي يجب أن يواجهها أصحاب القرار هي أن الأرقام لم تعد تحتمل التأويل، وحجم الصمت السائد أمام أنين 970 ألف مقترض يستدعي مراجعة شاملة لسياسات الإقراض والتمويل في الأردن.
نحن لا نطالب بمصادرة أدوار البنوك، بل نطالب بالإنصاف والحماية لفئة عمرية تُركت وحيدة في مهب الديون والالتزامات المعقدة؛ فالتمكين الحقيقي لا يصنع بالخطابات، بل ببدائل آمنة تمنح الشباب فرصة تليق بكرامتهم وطموحاتهم، وتنقذ جيلاً كاملاً ينتظر حلولاً عملية تنتشله من قاع الأقساط إلى أفق الإنتاج الحقيقي، والرهان اليوم هو ألا نتركهم يواجهون وحوش الديون بمفردهم، لأن المستقبل الذي نبنيه اليوم يمر حتماً عبر استقرارهم.
هذه ليست قصة عابرة أو حالة فردية، بل هي الملامح البنيوية لواقع مرير يعيشه مئات الآلاف من شبابنا الذين تحول طموحهم بالاستقرار إلى كابوس ممتد من الفوائد المتراكمة والديون المزمنة، ولا سيما حين نتأمل الأرقام الصارخة الصادرة عن البنك المركزي الأردني في تقرير الاستقرار المالي، والتي تكشف أن مديونية الأفراد لدى البنوك قد تجاوزت حاجز الـ 13.3 مليار دينار، مع وجود نحو 970 ألف مقترض يئنون تحت وطأة التزاماتهم؛ حيث تلتهم أقساط القروض والفوائد ما معدله 44.2% من دخل الفرد الشهري، وهي النسبة التي وإن اعتبرت 'مقبولة' ضمن الهوامش والمقاييس الدولية، إلا أنها تطرح السؤال الأكثر غياباً في أروقة التخطيط: ماذا يتبقى للشاب بعد هذا الاقتطاع القاسي لمواجهة متطلبات المعيشة، والإيجارات المتصاعدة، وفواتير الخدمات الأساسية؟
إن الخطر الحقيقي هنا يتجاوز الأثر الاقتصادي المباشر على النمو والاستهلاك، ليمس العصب الاجتماعي والاستقرار البشري، خصوصاً مع قفز نسبة التعثر من 3.8% إلى 4.9% خلال عام واحد، في إشارة حمراء تؤكد أن قدرة الشباب على الصمود والالتزام قد بدأت تتآكل فعلياً.
والمفارقة هنا تزداد قتامة حين نرى التفاوت الصارخ في توزيع هذه الديون، إذ تُمنح 78.7% من القروض للذكور مقابل 21.3% فقط للإناث، ما يضعنا أمام تحدٍّ مركب تواجهه الشابة الأردنية التي تعاني أصلاً من تضييق في سوق العمل، لتجد نفسها اليوم محرومة من فرص الوصول الميسر للتمويل.
وأمام هذا المشهد المظلم، تظهر بعض المبادرات الرسمية كبقعة ضوء خافتة تحاول لجم الأزمة، مثل الاتفاقية الموقعة بين وزارة العمل وصندوق التنمية والتشغيل لتقديم قروض حسنة بقيمة إجمالية تصل لمليون دينار لعام 2026 تستهدف خريجي التدريب المهني بمبالغ تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف دينار وفترة سداد ممتدة، إلى جانب قروض المشاريع التي يقدمها الصندوق بسقف 15 ألف دينار، إلا أن هذه المبالغ المتواضعة تظل قاصرة عن مجاراة الاحتياجات الطاحنة للشباب، في وقت تضع فيه البنوك التجارية شروطاً تعجيزية للقروض الشخصية كاشتراط رواتب لا تقل عن 450 ديناراً، لتستبعد بذلك الشريحة الأكبر من المتعطلين أو العاملين بعقود مؤقتة وغير مستقرة.
وفي ظل غياب البدائل الحقيقية ونفاد الخيارات أمام أكثر من 70% من الشباب الذين يرون في غياب التمويل عائقهم الأكبر، يبرز القرض الحسن كبديل شرعي واجتماعي غائب أو محدود الانتشار بسبب ضعف الاستثمار فيه، بينما تظل منصات التمويل الجماعي (Crowdfunding) –مثل تجارب 'BeeezCrowd' أو 'ليوا'– خطوة واعدة وجسراً يربط الابتكار برؤوس الأموال، لكنها لا تزال في بداياتها وتصطدم بغياب الوعي المجتمعي وتحديات الأطر التنظيمية الحامية التي تلزم هيئة الأوراق المالية وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات بصياغتها بشكل عاجل.
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب خريطة طريق وطنية جريئة، تبدأ من تأسيس صندوق وطني مستدام وموسع للإقراض الميسر بلا فوائد، بميزانية لا تقل عن 50 مليون دينار سنوياً تمنح فترات سماح حقيقية تمتد لسنة كاملة، لتشمل مجالات الزواج، والسكن، والمشاريع الريادية؛ فاستثمار الدولة في استقرار شبابها هو استثمار في أمنها القومي والاقتصادي.
كما غدا من الضروري فرض برامج وعي وثقافة مالية إلزامية قبل توقيع أي شاب على مستندات الاستدانة، ليدرك أبعاد الفوائد الثابتة والمتناقصة ويسلح نفسه بالمعرفة ضد مخاطر التعثر، بدلاً من تركه وحيداً في مواجهة شروط مجحفة لا يدرك عواقبها إلا بعد فوات الأوان.
الخلاصة التي يجب أن يواجهها أصحاب القرار هي أن الأرقام لم تعد تحتمل التأويل، وحجم الصمت السائد أمام أنين 970 ألف مقترض يستدعي مراجعة شاملة لسياسات الإقراض والتمويل في الأردن.
نحن لا نطالب بمصادرة أدوار البنوك، بل نطالب بالإنصاف والحماية لفئة عمرية تُركت وحيدة في مهب الديون والالتزامات المعقدة؛ فالتمكين الحقيقي لا يصنع بالخطابات، بل ببدائل آمنة تمنح الشباب فرصة تليق بكرامتهم وطموحاتهم، وتنقذ جيلاً كاملاً ينتظر حلولاً عملية تنتشله من قاع الأقساط إلى أفق الإنتاج الحقيقي، والرهان اليوم هو ألا نتركهم يواجهون وحوش الديون بمفردهم، لأن المستقبل الذي نبنيه اليوم يمر حتماً عبر استقرارهم.