تشير أحدث الإحصاءات الوطنية إلى أن الأردن ما يزال من بين الدول الأعلى في معدلات التدخين عالمياً، ورغم أن التدخين يُناقش غالباً باعتباره قضية صحية، إلا أن أبعاده الاقتصادية لا تقل أهمية، فإلى جانب تأثيره على صحة الأفراد، يشكل التدخين عبئاً مالياً كبيراً على الأسر والاقتصاد الوطني على حد سواء.
تُظهر البيانات الحديثة أن متوسط إنفاق المدخن في الأردن يبلغ نحو (78) ديناراً شهرياً على السجائر، أي ما يقارب (936) ديناراً سنوياً، وفي دولة يبلغ فيها متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو (4) آلاف دينار سنوياً، فإن المدخن ينفق ما يقارب ربع هذا المبلغ على السجائر وحدها، وعلى مدى عشر سنوات يقترب هذا الإنفاق من عشرة آلاف دينار، وهو مبلغ يمكن أن يُوجَّه نحو التعليم، أو تحسين الظروف المعيشية، أو تلبية احتياجات أكثر أهمية للأفراد والأسر.
لكن هذه الكلفة المباشرة ليست سوى جزء من سلبيات المشهد الفعلية، فالتقديرات الرسمية تشير إلى ان تكلفة الأمراض المرتبطة بالتدخين وما يرافقها من نفقات علاجية وخسائر في الإنتاجية والوفيات المبكرة، على الاقتصاد الأردني تتجاوز (1.5) مليار دينار سنوياً، أي ما يعادل قرابة 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك يصبح للتدخين فاتورتان، الأولى يدفعها المدخن عند شراء السجائر، والثانية يدفعها المجتمع بأكمله لاحقاً من خلال كلف الرعاية الصحية والخسائر الاقتصادية.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً مهماً، إذا كانت كلفة التدخين بهذا الحجم، فلماذا يستمر انتشاره على نطاق واسع؟
هنا يقدّم الاقتصاد السلوكي زاوية مختلفة لفهم المشكلة، فمن المعروف أن الناس لا يقيّمون جميع التكاليف بالطريقة نفسها، بل يميلون إلى إعطاء وزن أكبر للمكاسب الفورية مقارنة بالخسائر المستقبلية، وهو ما يُعرف بـ"الانحياز للحاضر"، فالمدخن لا يشعر بأنه ينفق ألف دينار سنوياً أو عشرة آلاف دينار خلال عقد من الزمن، بل يرى نفسه يدفع بضعة دنانير في كل مرة يشتري فيها علبة سجائر، بينما تبقى الكلفة الحقيقية موزعة على مئات القرارات الصغيرة التي يصعب ملاحظتها، كما تبقى الآثار الصحية والاقتصادية بعيدة زمنياً، مما يجعلها أقل حضوراً في عملية اتخاذ القرار.
إن النظر إلى التدخين من هذا المنظور يغيّر الطريقة التي نفكر بها في الحلول، فلو كانت المشكلة مرتبطة بنقص المعرفة فقط، لكانت حملات التوعية التقليدية كافية لإحداث تغيرات جوهرية في السلوك، إلا أن التجارب الدولية تشير إلى أن البرامج الأكثر نجاحاً هي تلك التي تجعل فوائد الإقلاع عن التدخين أكثر وضوحاً وفورية، ففي الولايات المتحدة والفلبين، حققت بعض برامج الإقلاع التي اعتمدت على الحوافز المالية أو برامج الالتزام المرتبطة بالإقلاع نتائج أفضل من حملات التوعية وحدها، لأنها حولت المكاسب المستقبلية إلى فوائد ملموسة يشعر بها الفرد في الحاضر.
لا يعني ذلك أن على الأردن استنساخ هذه التجارب كما هي، بل الاستفادة من الفكرة الأساسية التي تقوم عليها، وهي جعل فوائد الإقلاع أكثر قرباً ووضوحاً، ففي ظل الضغوط المتزايدة على ميزانيات الأسر، قد يكون إبراز المكاسب الاقتصادية للإقلاع عن التدخين بنفس أهمية التحذير من مخاطره الصحية، لأن فهم المشكلة من منظور اقتصادي وسلوكي يفتح الباب أمام أدوات جديدة أكثر قدرة على التأثير في السلوك.
إن التدخين ليس مجرد قضية صحية، بل هو أيضاً قضية اقتصادية وسلوكية، وفهم الدوافع التي تقف خلف هذا السلوك قد يساعدنا على الانتقال من التركيز على التوعية وحدها إلى تصميم سياسات أكثر فاعلية، سياسات تدرك أن الناس لا يتخذون قراراتهم بناءً على المعلومات فقط، بل بناءً على الطريقة التي يدركون بها الكلفة والمنفعة، وحين تصبح كلفة التدخين أكثر وضوحاً في الحاضر، قد يصبح قرار الإقلاع عنه أكثر سهولة في المستقبل.