كتاب

الأردن.. نموذج في الثبات الاقتصادي والإدارة الرشيدة

في ظل اتجاه بوصلة الاقتصاد العالمي نحو مزيد من التباطؤ، وازدياد حالة عدم اليقين التي تفرضها التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التجارية وتقلبات الأسواق، يواصل الاقتصاد الأردني ترسيخ حضوره كواحد من الاقتصادات التي أثبتت قدرتها على الصمود والحفاظ على مسار نمو مستقر ومتوازن رغم التحديات المحيطة.
فبينما خفّض البنك الدولي توقعاته لمعدل النمو العالمي إلى نحو 2.5% خلال عام 2026، وهو مستوى يعكس حالة الفتور التي تعانيها اقتصادات كبرى حول العالم، تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الأردني سيواصل تعزيز أدائه تدريجياً ليقترب معدل نموه من 3% بحلول عام 2028، في مؤشر يحمل دلالات مهمة تتجاوز الأرقام المجردة إلى ما تعكسه من متانة اقتصادية وثقة متزايدة بقدرة المملكة على مواصلة التقدم.
هذه المؤشرات لا تأتي بمعزل عن واقع إقليمي ودولي شديد التعقيد. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الاقتصادية مع محيطه، تأثر كما غيره بتداعيات الأزمات الإقليمية وارتفاع كلف الطاقة والنقل والشحن وتباطؤ حركة التجارة العالمية. ومع ذلك، تمكن الاقتصاد الوطني من المحافظة على توازنه واستمرارية نشاطه، مستنداً إلى سياسات اقتصادية ومالية ونقدية اتسمت بالحكمة والانضباط، وإلى رؤية إصلاحية واصلت البناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية.
ولعل ما يميز التجربة الأردنية في هذه المرحلة هو قدرتها على تحويل التحديات إلى حوافز لتعزيز الاعتماد على القطاعات الإنتاجية. فقد واصلت الصادرات الوطنية أداءها الإيجابي، وبرزت الصناعات الأردنية والتعدينية كأحد أهم روافع النمو، وفي مقدمتها صناعة الأسمدة والبوتاس والفوسفات، التي عززت حضورها في الأسواق العالمية وأسهمت في دعم الإيرادات الوطنية وتوفير العملات الأجنبية وترسيخ مكانة الأردن كمصدر موثوق للعديد من المنتجات الاستراتيجية.
ورغم أن معدلات النمو المتوقعة لا تُصنف ضمن معدلات النمو المرتفعة عالمياً، إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في استدامتها وقدرتها على الاستمرار في بيئة اقتصادية عالمية تتراجع فيها التوقعات وتتزايد فيها المخاطر. فالنمو المستقر في مثل هذه الظروف يُعد مؤشراً على قوة الأساسات الاقتصادية، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية والقطاع الخاص على التكيف مع المتغيرات والحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي.
كما تعكس هذه النتائج نجاح الجهود الوطنية الرامية إلى تحديث الاقتصاد الأردني وتعزيز تنافسيته، من خلال تنفيذ برامج التحديث الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتهيئة الظروف اللازمة لخلق فرص العمل وتحفيز الإنتاج.
واليوم، وبينما يواجه العالم مرحلة اقتصادية دقيقة تتسم بالتباطؤ والتقلبات، يقدم الأردن نموذجاً في الثبات الاقتصادي والإدارة المتوازنة للموارد والتحديات. فالمملكة لا تراهن على الطفرات المؤقتة، بل تبني نموها على أسس مستدامة، ما يعزز الثقة بمستقبل الاقتصاد الوطني وقدرته على مواصلة التقدم وتحويل التحديات إلى فرص تنموية تخدم الأجيال المقبلة.
إن استمرار الاقتصاد الأردني في تحقيق النمو وسط هذا المشهد العالمي المضطرب ليس مجرد رقم في تقرير دولي، بل شهادة جديدة على صلابة الدولة الأردنية، وكفاءة مؤسساتها، وقدرة اقتصادها على المضي قدماً بثقة واقتدار رغم كل المتغيرات.