أظهرت نتائج دراسة ميدانية حديثة، أُجريت باستخدام منهجية البحث السريع بالمشاركة في محافظة إربد، عن واقع يتطلب تكثيف الجهود المؤسسية للتعامل مع ظاهرة الأطفال الباعة المتجولين. وبينت الدراسة أن 70% من الفئة المستهدفة هم خارج مقاعد الدراسة حالياً، في حين يعمل آخرون بعد أوقات الدوام المدرسي أو خلال العطلات الرسمية بهدف مساندة أسرهم اقتصادياً.
وجاءت هذه الدراسة، التي نفذها فريق متخصص من جمعية حماية الأسرة والطفولة بالتزامن مع اليوم العالمي للحد من عمالة الأطفال، لشريحة شملت 700 طفل من العاملين في البيع المتجول بمدينة إربد، حيث تضمنت الجلسات حوارات تشاركية ضمت الأطفال وأسرهم وممثلين عن الجهات المعنية وخبراء اجتماعيين، لتحديد أبرز التحديات ووضع حلول عملية لها.
وفيما يتعلق بالمؤشرات التعليمية والاقتصادية، رصدت الدراسة رغبة واضحة لدى نحو 45% من الأطفال في العودة إلى مقاعد الدراسة أو الالتحاق ببرامج التعليم غير النظامي، في حين يرى نصف الأطفال المنقطعين أن محدودية الفرص الاقتصادية المتاحة مستقبلاً تؤثر سلباً على حافز الاستمرار في التعليم من وجهة نظرهم. كما كشفت البيانات عن امتلاك 41% من الأطفال مهارات أولية في البيع والشراء وتحقيق هوامش ربح بسيطة، مشيرة إلى أن دخول معظم أسر هؤلاء الأطفال تتراوح بين 200 و400 دينار شهرياً، مما يوضح الارتباط الوثيق بين الظاهرة والأوضاع المعيشية الصعبة للعائلات.
أما من الناحية التشغيلية والصحية، فقد تنوعت طبيعة المواد التي يتعامل بها الأطفال بين السلع الخفيفة كالعطور المصنعة محلياً والمحارم والقهوة، والمواد الغذائية والخضار والفواكه، إلى جانب خدمات التوصيل البسيطة وفواتير المياه، فيما يعمل نحو 30% منهم لساعات طويلة تتجاوز الثماني ساعات يومياً دون تناول وجبات غذائية لتوفير قيمتها لعائلاتهم.
وعلى الصعيد الاجتماعي والسلوكي، أظهرت المخرجات افتقار 75% من الأطفال للمهارات الحياتية الأساسية للتعامل مع التحديات اليومية، إلى جانب تسجيل نسبة 45% من المدخنين بينهم، ورصد تعرض نحو 85% منهم لضغوطات نفسية أو سلوكيات تنمر وإساءة أثناء العمل في الشارع، فضلاً عن وجود نسبة 10% من الأطفال يعانون من إعاقات مختلفة.
وبناءً على هذه المعطيات، أوصت الدراسة بضرورة تبني إستراتيجية وطنية شاملة ترتكز على تطوير برامج مرنة لإعادة دمج الأطفال المتسربين في النظام التعليمي، وتعزيز برامج التمكين الاقتصادي الموجهة للأسر ذوي الدخل المحدود للحد من حاجتها لتشغيل أطفالها. كما دعت التوصيات إلى تنفيذ برامج متخصصة للمهارات الحياتية والدعم النفسي والتوعية الصحية، إلى جانب تفعيل الرقابة الميدانية وتوسيع الشراكة بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لمعالجة أسباب الظاهرة من جذورها.
وأكد رئيس جمعية حماية الأسرة والطفولة في إربد، السيد كاظم الكفيري للرأي ، أن نتائج الدراسة تضع أمام الجهات المعنية دلالات واضحة حول تأثير الظروف الاقتصادية للأسر في دفع الأطفال نحو سوق العمل مبكراً وابعادهم عن التعليم. وأضاف الكفيري أن الأهمية تكمن اليوم في استثمار الرغبة الحقيقية لدى شريحة واسعة من هؤلاء الأطفال بالعودة إلى التعليم، من خلال توفير مسارات تعليمية مرنة تتناسب مع ظروفهم، وربطها بحزم دعم اقتصادي لأسرهم لضمان الاستمرارية.
وختم الكفيري تصريحه بالإشارة إلى أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الرقابية أو الضبط الميداني فقط، بل تتطلب شراكة حقيقية ومستدامة بين المؤسسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، لتوفير بيئة آمنة تضمن للأطفال حقوقهم الأساسية في الرعاية، والتعليم، والحماية الاجتماعية الشاملة.