مع تزايد المؤشرات على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهمات جديدة تنهي مرحلة من التوتر والصراع بينهما، يعود السؤال العربي إلى الواجهة مجدداً: ماذا يريد العرب من أي اتفاق أمريكي إيراني؟ وهل يكفي الترحيب بخفض التصعيد، أم أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية عربية أكثر وضوحاً لحماية المصالح الاستراتيجية للدول العربية وتعزيز حضورها في معادلات المنطقة؟
من الواضح أن واشنطن وطهران لا تتجهان نحو التفاهم بدافع حسن النوايا، وإنما انطلاقاً من حسابات المصالح الوطنية فقط دون غيرها، فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب الانخراط في صراعات جديدة في الشرق الأوسط، وضمان أمن خطوط الطاقة والتجارة الدولية، ومنع تحول البرنامج النووي الإيراني إلى مصدر تهديد استراتيجي، بما يسمح لها بالتركيز على أولوياتها العالمية الأخرى ومواجهة القوى الدولية المنافسة. وفي المقابل، تبحث إيران عن تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات، واستعادة جزء من اندماجها في الاقتصاد العالمي، وتأمين اعتراف بدورها الإقليمي ومصالحها الأمنية بما يعزز استقرارها الداخلي ويوفر لها مساحة أوسع للحركة.
غير أن تاريخ العلاقات الدولية بشكل عام والأمريكية الإيرانية بشكل خاص يؤكد أن أي تفاهم بين الطرفين يصاغ عادة وفق أولوياتهما الخاصة، فيما تبقى المصالح العربية خارج دائرة التأثير المباشر ما لم تمتلك الدول العربية موقفاً موحداً وقدرة أكبر على الدفاع عن مصالحها وفرض حضورها في الترتيبات الإقليمية، خاصة وأن الدول العربية كانت على مدى العقود الماضية من أكثر الأطراف تأثراً بتداعيات الصراع بين الجانبين، سواء من خلال التوترات الأمنية، أو الصراعات بالوكالة، أو استهداف البنى التحتية والممرات الحيوية، أو ما ترتب على ذلك من أعباء اقتصادية وتنموية.
ومن هنا، فإن المصلحة العربية لا تكمن في نجاح أو فشل الاتفاق بحد ذاته، بل في طبيعة النتائج التي سيتركها على أمن المنطقة واستقرارها، فالعرب بحاجة إلى أن يسهم أي تفاهم محتمل في خفض مستويات التوتر، ووقف سياسات التصعيد والمواجهات غير المباشرة، واحترام سيادة الدول العربية وعدم تحويل أراضيها وأجوائها ومقدراتها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وتتمثل المصلحة العربية الأولى في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتوفير بيئة أكثر أمناً تسمح للدول العربية بتوجيه مواردها نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من استنزافها في مواجهة تداعيات الأزمات والصراعات. أما المصلحة الثانية فتتمثل في ترسيخ مبدأ احترام السيادة الوطنية ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، باعتباره أساساً ضرورياً لأي نظام إقليمي مستقر ومستدام، في حين تتمثل المصلحة الثالثة في أن يشكل أي تفاهم أمريكي إيراني مدخلاً لبناء نظام إقليمي أكثر توازناً يقوم على الحوار والتعاون واحترام المصالح المتبادلة، بدلاً من الاستقطاب الحاد الذي أنهك المنطقة لعقود وأعاق جهود التنمية والاستقرار.
غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يعتمد على التفاهمات بين الآخرين وحدها، بل يتطلب تحركاً عربياً موازياً يجعل المصالح العربية جزءاً أساسياً من أي ترتيبات إقليمية مقبلة، حيث كشفت الأزمات الأخيرة أن الدول التي لا تمتلك عناصر القوة الكافية تصبح أكثر عرضة لتحمل كلفة صراعات لا تشارك في صنعها، وهو ما يفرض على الدول العربية العمل بصورة جماعية لتعزيز قدرتها على حماية أمنها ومصالحها.
ويبدأ ذلك من تطوير آليات العمل العربي المشترك وتعزيز التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الدول العربية، بما يتيح بلورة مواقف موحدة تجاه القضايا الإقليمية الكبرى، كما يتطلب الأمر تطوير القدرات الدفاعية ومنظومات الأمن الجماعي العربية بما يوفر قوة ردع كافية تجعل أي طرف إقليمي أو دولي يعيد حساباته قبل المساس بأمن الدول العربية أو استقرارها.
وفي الوقت ذاته، لم تعد القوة في عالم اليوم تقتصر على القدرات العسكرية فقط، بل أصبحت تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والنفوذ الدبلوماسي، فكلما نجحت الدول العربية في تعزيز التكامل الاقتصادي، والاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة، وتوظيف موقعها الجغرافي ومواردها الاستراتيجية بصورة أكثر فاعلية، ازدادت قدرتها على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية وصياغة التوازنات بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها.
إن التفاهم الأمريكي الإيراني، إذا ما تحقق، قد يسهم في تهدئة بعض بؤر التوتر، لكنه لن يشكل ضمانة دائمة لاستقرار المنطقة ما لم يترافق مع دور عربي أكثر حضوراً وتأثيراً، خاصة وأن المعادلات الإقليمية لا تبنى على النوايا الحسنة، وإنما على توازن المصالح وعناصر القوة، كما أن القوة التفاوضية لا تمنح وإنما تبنى من خلال التنسيق السياسي والتكامل الاقتصادي وتعزيز القدرات الذاتية.
في المحصلة، لا مكان في السياسة الدولية لمن ينتظر ما يقرره الآخرون بشأن مستقبله، فإذا كانت واشنطن وطهران تتفاوضان على أساس المصالح لا العواطف، فإن على العرب أن يتحركوا بالمنطق ذاته سعياً لحماية مصالحهم وفرضها على طاولة التفاوض وتعزيز مكانتهم في النظام الإقليمي، ودفع الاتفاق باتجاه الإسهام في بناء شرق أوسط أكثر استقراراً واحتراماً لسيادة الدول وأكثر قدرة على توفير الأمن والتنمية لشعوبه، وعليه فقد آن الأوان بأن يدرك العرب حقيقة أن هذا العالم الذي تحكمه القوة والمصالح، لا يسأل فيه عن رأي الغائبين، وإنما فقط يحسب حساب القادرين على التأثير في مسار الأحداث وصياغة نتائجها، وكذلك من يمتلك القدرة على المشاركة في صياغة المستقبل وفق رؤيته ومصالحه الاستراتيجية.
التفاهم الأمريكي الإيراني.. أين المصلحة العربية؟
11:59 13-6-2026
آخر تعديل :
السبت