كأس العالم

التأهل للمونديال .. قصة ملهمة للأجيال

شكل تأهل منتخب النشامى إلى نهائيات كأس العالم 2026، لحظة وطنية استثنائية انتظرها الأردنيون لعقود طويلة، بعدما تحوّل حلم الوصول إلى العرس العالمي من مجرد طموح مشروع إلى حقيقة كروية رسمية كُتبت بأقدام النشامى وإصرارهم.

التأهل؛ مشروع متكامل بدأ منذ سنوات حتى أثمر أخيرًا عن إنجاز غير مسبوق بوصول الأردن إلى أكبر بطولة كروية على مستوى العالم.

لم تبدأ رحلة التأهل الأردنية مع صافرة أولى مباريات التصفيات، بل يمكن القول إنها امتداد لمسيرة طويلة من التطور والبناء، شهدت خلالها الكرة الأردنية مراحل متعددة من العمل الإداري والفني والتنظيمي، حتى وصلت إلى مرحلة النضج التي جعلت المنتخب قادرًا على منافسة كبار القارة الآسيوية بثبات وثقة.

ومع انطلاق التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم 2026، دخل المنتخب المنافسات وسط تطلعات جماهيرية كبيرة، خاصة بعد التطور الملحوظ الذي ظهر على أداء المنتخب خلال السنوات الأخيرة، وكانت البداية في الدور الثاني من التصفيات، حيث وُضع المنتخب في مجموعة ضمت منتخبات السعودية وطاجيكستان وباكستان، وهي مجموعة لم تكن سهلة بالنظر إلى قوة المنتخب السعودي وتطور الكرة الطاجيكية.

البداية الأردنية حملت بعض التذبذب، خصوصًا مع تعادل المنتخب أمام طاجيكستان في دوشنبه، لكن النشامى سرعان ما استعادوا توازنهم، ونجحوا في تحقيق انتصارات مهمة عززت من ثقة اللاعبين بأنفسهم، قبل أن تأتي نقطة التحول الكبرى في تاريخ المنتخب الحديث، والمتمثلة بالمشاركة التاريخية في كأس آسيا 2023 التي أقيمت مطلع عام 2024 في قطر.

في تلك البطولة، قدّم النشامى نسخة استثنائية بقيادة المدرب المغربي الحسين عموتة، الذي نجح في بناء فريق يمتلك شخصية قوية وروحًا قتالية عالية، ولم يكن كثيرون يتوقعون أن يصل المنتخب إلى المباراة النهائية، لكن النشامى قلبوا كل التوقعات، وقدموا مستويات لافتة أمام منتخبات القارة الكبرى.

بدأ المنتخب مشواره الآسيوي بثقة، قبل أن يخطف الأنظار في الدور ثمن النهائي عندما حقق انتصارًا دراماتيكيًا على العراق في الوقت القاتل، في مباراة ستبقى واحدة من أكثر مباريات الكرة الأردنية إثارة، وبعدها واصل المنتخب عروضه المميزة بإقصاء منتخب طاجيكستان في ربع النهائي، ثم حقق الانتصار التاريخي على كوريا الجنوبية في نصف النهائي، ليبلغ النهائي القاري للمرة الأولى في تاريخه.

ورغم خسارة النهائي أمام قطر، إلا أن المنتخب خرج من البطولة بطلاً في نظر جماهيره، بعدما اكتسب شخصية مختلفة وثقة كبيرة انعكست لاحقًا على مشواره في التصفيات المونديالية.

بعد العودة من كأس آسيا، ظهر واضحًا أن المنتخب الوطني لم يعد ذلك الفريق الذي يكتفي بالمشاركة المشرفة، بل أصبح منتخبًا يؤمن بقدرته على المنافسة وتحقيق الإنجازات، ونجح النشامى في استثمار الزخم المعنوي الذي تحقق في البطولة القارية، ليواصلوا نتائجهم الإيجابية في التصفيات، ويتصدروا مجموعتهم متفوقين حتى على المنتخب السعودي، في إنجاز منح المنتخب دفعة معنوية كبيرة قبل الدخول إلى المرحلة الحاسمة من التصفيات.

ومع نهاية مرحلة الحسين عموتة، دخل المنتخب مرحلة جديدة بقيادة المدرب المغربي جمال السلامي، الذي تسلّم المهمة وسط تحديات كبيرة، أبرزها المحافظة على الروح التي صنعها المنتخب خلال كأس آسيا، والتعامل مع الضغوط الجماهيرية المتزايدة بعد ارتفاع سقف الطموحات.

البداية مع السلامي لم تكن سهلة، إذ تعادل المنتخب أمام الكويت، قبل أن يخسر أمام كوريا الجنوبية، ما فتح باب التساؤلات حول قدرة المنتخب على مواصلة المشوار نحو المونديال. لكن المدرب المغربي تعامل بهدوء مع المرحلة، ونجح في إعادة ترتيب الأوراق فنيًا ونفسيًا، معتمدًا على الاستقرار الفني والثقة باللاعبين.

ومع مرور المباريات، بدأ المنتخب يستعيد توازنه تدريجيًا، وظهر أكثر نضجاً على المستوى التكتيكي، خاصة من ناحية التنظيم الدفاعي وسرعة التحول الهجومي، كما ساهم الانسجام الكبير بين اللاعبين في تعزيز شخصية المنتخب، ليصبح فريقاً قادراً على التعامل مع مختلف الظروف داخل المباريات.

وخلال التصفيات، برزت مجموعة من اللاعبين الذين لعبوا أدواراً محورية في رحلة التأهل التاريخية، وكان موسى التعمري أحد أبرز نجوم المنتخب، بعدما قدّم مستويات كبيرة أكدت مكانته كأحد أفضل اللاعبين في تاريخ الكرة الأردنية الحديثة.

تميز التعمري بقدرته على صناعة الفارق في المباريات الكبرى، سواء عبر التسجيل أو صناعة الفرص أو قيادة الهجمات المرتدة، وإلى جانبه، لعب يزن النعيمات دوراً هجومياً مؤثراً، حيث تحوّل إلى أحد أهم أوراق هذا المركز بفضل تحركاته الذكية وحضوره داخل منطقة الجزاء، فيما شكّل علي علوان عنصراً مهماً في الثلث الأخير من الملعب، خصوصاً بعدما سجل ثلاثية تاريخية أمام عُمان في المباراة التي قرّبت المنتخب من الحلم العالمي.

كما برز الحارس يزيد أبو ليلى كأحد أهم عناصر المنتخب خلال التصفيات، بعدما قدّم مستويات ثابتة وحاسمة في العديد من المباريات، بينما لعب القائد إحسان حداد دوراً مهماً بخبرته الكبيرة وقدرته على ضبط إيقاع الفريق داخل الملعب.

ولم يكن النجاح الأردني قائمًا فقط على الأسماء الفردية، بل على روح المجموعة التي ظهرت بشكل واضح خلال مختلف مراحل التصفيات. فقد بدا المنتخب كعائلة واحدة داخل الملعب وخارجه، وهو ما ساعد على تجاوز الكثير من الضغوط والمواقف الصعبة.

وجاءت اللحظة التاريخية التي انتظرها الأردنيون طويلًا في حزيران 2025، عندما واجه المنتخب نظيره العُماني في مسقط ضمن الجولة الحاسمة من التصفيات.. دخل النشامى المباراة وهم يدركون أن الفوز سيقربهم كثيرًا من بطاقة التأهل، فقدموا واحدة من أفضل مبارياتهم، وحققوا انتصارًا كبيرًا بثلاثية نظيفة حملت توقيع علي علوان.

وبالتزامن مع خسارة العراق أمام كوريا الجنوبية، أعلن المنتخب الأردني رسميًا تأهله إلى كأس العالم 2026 للمرة الأولى في تاريخه، لتنفجر بعدها مشاعر الفرح في مختلف المدن الأردنية، في ليلة تحولت إلى احتفال وطني تاريخي.

مشاهد الجماهير الأردنية في الشوارع، ودموع اللاعبين، واحتفالات الجهاز الفني، كلها عكست حجم الإنجاز الذي تحقق، ليس فقط على المستوى الرياضي، بل على المستوى الوطني أيضًا، باعتبار أن المنتخب أصبح مصدر فخر لكل الأردنيين.

وخلال آخر تجمعات المنتخب بعد ضمان التأهل، ظهر واضحًا أن الجهاز الفني بدأ يفكر بالمرحلة المقبلة، أي مرحلة التحضير للمشاركة التاريخية في كأس العالم. وحافظ جمال السلامي على القوام الأساسي للفريق، مع منح بعض اللاعبين الشباب فرصة الظهور، بهدف توسيع قاعدة الخيارات الفنية استعدادًا للاستحقاق العالمي.

كما بدا المنتخب أكثر استقرارًا من الناحية الفنية، في ظل وضوح أسلوب اللعب والهوية التكتيكية، وهو أمر لم يكن متوفرًا بهذا الشكل في سنوات سابقة.

ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز التاريخي دون التوقف مطولًا عند الدور الكبير الذي لعبه سمو الأمير علي بن الحسين، رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، والذي ارتبط اسمه بمشروع تطوير الكرة الأردنية خلال السنوات الماضية.

فمنذ توليه رئاسة الاتحاد، عمل الأمير علي على تطوير البنية التحتية لكرة القدم الأردنية، وتعزيز حضور المنتخبات الوطنية، ودعم الفئات العمرية، إلى جانب السعي لتطوير المسابقات المحلية ورفع مستوى الاحتراف، كما لعب دورًا مهمًا في تعزيز مكانة الأردن داخل الاتحادين الآسيوي والدولي، ما انعكس إيجابًا على صورة الكرة الأردنية خارجيًا.

وكان الأمير علي حاضرًا بشكل دائم إلى جانب المنتخب خلال مختلف المحطات، سواء عبر الدعم المعنوي أو المتابعة المستمرة، ليأتي التأهل إلى كأس العالم كتتويج طبيعي لسنوات طويلة من العمل والتخطيط.

كما كان لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، دور معنوي بارز في دعم المنتخب الوطني، حيث حرص على مساندة النشامى في أكثر من مناسبة، وشارك اللاعبين والجماهير فرحة الانتصارات، في مشاهد لاقت تفاعلًا واسعًا بين الأردنيين.

وقد ساهم هذا الالتفاف الرسمي والشعبي حول المنتخب في خلق بيئة إيجابية ساعدت اللاعبين على تقديم أفضل ما لديهم، خاصة مع شعورهم بأنهم يمثلون الوطن بأكمله في هذه الرحلة التاريخية.

اليوم، وبعد الوصول إلى كأس العالم، تبدو الكرة الأردنية أمام مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة عنوانها الحفاظ على المكتسبات ومواصلة التطور، فالتأهل إلى المونديال لم يعد مجرد حلم تحقق وانتهى، بل أصبح بداية لمسؤولية أكبر تتعلق بتمثيل الأردن بصورة مشرّفة على المسرح العالمي.

لقد أثبت النشامى أن كرة القدم الأردنية قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات عندما تتوفر الرؤية والعمل والاستقرار.

ومن ملاعب عمّان وإربد والزرقاء وباقي محافظات المملكة، إلى ملاعب كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كتب المنتخب الوطني قصة نجاح ستبقى خالدة في ذاكرة الرياضة الأردنية والعربية، عنوانها أن الأحلام الكبيرة يمكن أن تتحقق بالإرادة والعمل والإيمان.