كتاب

حل الأحزاب السياسية ومسؤولية القائمين عليها

أصدر القضاء الأردني قبل أيام حكما قضائيا نهائيا بحل أحد الأحزاب السياسية بعد أن ثبتت مخالفته لأحكام قانون الأحزاب السياسية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين حرية العمل الحزبي ومتطلبات الالتزام بأحكام القانون. فالقضية لا تتعلق بخلاف سياسي أو فكري مع الحزب المرخص، ولا ترتبط بمواقفه السياسية أو برامجه وأهدافه، وإنما تتصل بمسألة قانونية محضة تتمثل بعدم التزام القائمين على إدارته بالمتطلبات القانونية التي أوجبها القانون، وفي مقدمتها تقديم الميزانيات السنوية ضمن المواعيد الزمنية المحددة قانونا.
ويعد هذا القرار القضائي صورة أخرى من صور تنظيم العلاقة الإشرافية بين الهيئة المستقلة للانتخاب والأحزاب الأردنية. فقرار الحل لم يصدر عن الهيئة رغم ثبوت ولايتها العامة على الأحزاب بموجب الدستور، وإنما جاء نتيجة إجراء قضائي متكامل. فالهيئة تمارس دورها الرقابي في متابعة مدى التزام الأحزاب بأحكام القانون، وعند وقوع المخالفات تتخذ الإجراءات المقررة تشريعيا، بدءا من توجيه الإشعارات اللازمة لتصويب الأوضاع وانتهاء بإحالة المخالفة إلى القضاء المختص للفصل فيها وفقا لأحكام القانون.
وتكشف هذه القضية عن تطور مهم في البيئة السياسية الأردنية. فخلال العقود الماضية كان النقاش العام يتركز حول تشجيع الأردنيين على تأسيس الأحزاب السياسية وزيادة أعدادها باعتبار ذلك مؤشرا على الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية. أما اليوم، فقد أصبح التركيز يتجه بصورة أكبر نحو جودة العمل الحزبي ومدى التزامه بأحكام القانون، خاصة بعد اندفاع الأردنيين نحو تأسيس أحزاب جديدة مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع التحديث السياسي عام 2022.
فمن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحكم القضائي الأخير باعتباره جزءا من عملية فرز طبيعية داخل الحياة الحزبية الأردنية. فالتعددية السياسية لا تقاس بعدد الأحزاب المرخصة بقدر ما ترتبط بوجود أحزاب فاعلة وقادرة على العمل المؤسسي والالتزام بأحكام القانون. لذلك، فإن خروج الأحزاب غير الفاعلة أو غير الملتزمة من المشهد الحزبي من شأنه أن يعزز فرص الأحزاب الجادة في المنافسة السياسية، كما يسهم في ترسيخ الثقة بالعمل الحزبي باعتباره أداة حقيقية للمشاركة في الحياة العامة، لا مجرد إطار تنظيمي شكلي أو كيان قانوني لتحقيق مصالح ضيقة.
أن هذه القضية تثير في الوقت ذاته تساؤلا تشريعيا جديرا بالنقاش. فالقانون قد رتب جزاء مباشرا على مخالفة أحكامه يصل في أقصى صوره إلى حل الحزب السياسي، إلا أن أثر هذا الجزاء ينتهي عمليا عند الحزب ذاته. أما الأشخاص الذين كانوا مسؤولين عن إدارته أو الذين ارتكبوا المخالفات الإدارية والمالية التي أفضت إلى صدور قرار الحل، فإن القانون لا يرتب بحقهم أية آثار سياسية تبعية، رغم أن تلك المخالفات قد تكون نتجت عن أفعال أو تصرفات عمدية صدرت عنهم وكانت سببا مباشرا في الوصول إلى هذه النتيجة.
وفي هذا السياق، يمكن التفكير باستحداث بعض العقوبات السياسية التبعية المرتبطة بالمخالفات العمديةلأحكام قانون الأحزاب السياسية. فإذا كان المشرع الأردني في قانون الانتخاب قد أخذ بفكرة الحرمان من الترشح لدورتين انتخابيتين متتاليتين لمن يرتكب بعض الجرائم الانتخابية، ومنها جرائم شراء الأصوات، فإن المنطق ذاته يبرر فرض تبعات زمنية على الأشخاص الذين ثبتت مسؤوليتهم عن مخالفات جسيمة أدت إلى حل الحزب السياسي. ويمكن أن تتمثل هذه القيود في منعهم من تأسيس أحزاب جديدة أو تولي مواقع قيادية فيها أو المشاركة في إدارتها لفترة زمنية محددة يقررها القانون.
ولا تستهدف هذه الإجراءات التضييق على ممارسة العمل الحزبي أو الحد من الحقوق والحريات السياسية، وإنما تهدف إلى تعزيز الجدية والمسؤولية في إدارة الأحزاب السياسية. فالمشاركة في الحياة الحزبية ليست مجرد حق سياسي فحسب، بل هي أيضا مسؤولية قانونية وأخلاقية تقوم على احترام القانون والالتزام بأحكامه. كما لا ينبغي أن يكون فرض هذه القيود تلقائيا، بل يجب أن يرتبط بثبوت المسؤولية الشخصية عن المخالفات الجسيمة التي أدت إلى حل الحزب، وأن يتم ذلك في إطار من الضمانات القانونية والقضائية الواضحة.
إن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الحكم القضائي الأخير هي أن مشروع التحديث السياسي لا يقتصر على توسيع مساحة المشاركة السياسية، بل يمتد ليشمل ترسيخ ثقافة الالتزام والمساءلة. فكما تكفل الدولة حماية الأحزاب السياسية وتضمن حقها في العمل، فإن الأحزاب مطالبة في المقابل باحترام القانون والوفاء بالالتزامات المترتبة عليها.