مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المتوقعة في خريف عام 2026، يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو واحدة من أصعب المراحل السياسية والشخصية في مسيرته، في ظل تراجع شعبيته وتصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية لأدائه منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول 2023.
فبعدما راهن نتنياهو على الحرب باعتبارها فرصة لإعادة ترميم صورته السياسية وتعزيز مكانته داخل المعسكر اليميني، تحولت هذه الحرب إلى عبء متزايد يلاحقه على أكثر من صعيد، مع استمرار الإخفاقات الأمنية والعسكرية، وتزايد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، فضلاً عن توتر علاقاته مع أطراف دولية كانت تُعد من أبرز داعميه.
وتشير تقارير وتحليلات إسرائيلية إلى أن الخطاب الذي ساد في بداية الحرب حول تحقيق «نصر تاريخي» بدأ يتراجع لصالح حالة من الإرهاق والإحباط داخل الشارع الإسرائيلي.
ففي مقال نشرته صحيفة «هآرتس»، وصف الكاتب يوعنا غونين، التحول في المزاج العام الإسرائيلي بأنه انتقال من الحماسة للحرب إلى حالة من «الاشمئزاز والتعب»، بعد أن أخفقت الحكومة في تحقيق الأهداف التي وعدت بها.
ولفت غونين، إلى أن شخصيات سياسية كانت تؤيد التصعيد العسكري بدأت تبدي تحفظات متزايدة، من بينها يائير غولان الذي أكد أخيرا أن الحكومة لا تملك تفويضاً لجر إسرائيل إلى حروب جديدة، فيما حذر الناشط موشيه ردمان من استمرار الرهان على الحلول العسكرية وحدها، معتبراً أن الدعوات إلى مزيد من القصف لا تقدم حلولاً حقيقية للأزمة.
وفي السياق ذاته، رأى الكاتب يوسي فيرتر في «هآرتس» أن نتنياهو بدا خلال خطاباته الأخيرة أقل ثقة من المعتاد، بعدما غابت عنها الشعارات التي اعتاد تكرارها بشأن «النصر التاريخي». واعتبر أن رئيس الحكومة أقرّ بصورة غير مباشرة باستمرار ما يُعرف بسياسة «الجولات العسكرية» مع إيران، في إشارة إلى غياب حسم استراتيجي للصراع، وهو ما يعيد إلى الأذهان النهج الذي اتبعته الحكومات الإسرائيلية في التعامل مع غزة والجبهة الشمالية خلال السنوات الماضية.
كما تتزايد الانتقادات داخل إسرائيل لاستمرار العمليات العسكرية في غزة ولبنان، حيث وصفت افتتاحية في «هآرتس» الحرب على لبنان بأنها حرب «عبثية» لا تحقق أهدافاً واضحة، محذرة من أنها قد تؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا دون تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية ملموسة. ورأت الصحيفة أن نتنياهو يواصل إدارة جبهات متعددة في محاولة للحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم وإطالة عمر حكومته.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع قدرة المعسكر اليميني بقيادة نتنياهو على ضمان أغلبية برلمانية مريحة تتيح له تشكيل الحكومة المقبلة.
كما يواجه الائتلاف الحاكم أزمة متفاقمة بسبب الخلافات حول قانون إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، وهي القضية التي تثير استياءً واسعاً في أوساط الإسرائيليين الذين يتحملون أعباء الحرب والخدمة العسكرية الإلزامية.
وعلى الصعيد الخارجي، تبدو العلاقة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أقل متانة مما كانت عليه في السابق. فقد كشفت تقارير إعلامية غربية عن تباينات متزايدة بين الطرفين بشأن التعامل مع إيران ومستقبل الصراعات الإقليمية. ووفق تلك التقارير، يسعى ترامب إلى تجنب التصعيد العسكري والتوصل إلى ترتيبات سياسية تضمن الاستقرار، بينما يرى نتنياهو أن مواصلة الضغط العسكري تمثل ضرورة سياسية وأمنية في هذه المرحلة.
ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر في واشنطن وجود حالة من التوتر بين الجانبين، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تؤثر هذه الخلافات على مستوى الدعم الأمريكي التقليدي، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية في العمليات الجارية.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه نتنياهو على البيت الأبيض، إذ تشير استطلاعات رأي أمريكية إلى تراجع التأييد لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، خصوصاً بين الشباب والناخبين الديمقراطيين.
كما أظهرت مؤشرات متزايدة وجود فجوة آخذة في الاتساع بين الحكومة الإسرائيلية الحالية وقطاعات واسعة من اليهود الأمريكيين، الذين بات بعضهم أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات تعكس أزمة أعمق من مجرد تراجع شعبية رئيس حكومة، إذ تمتد إلى صورة إسرائيل نفسها داخل دوائر النفوذ التقليدية في الولايات المتحدة، بما في ذلك الأوساط السياسية والحزبية واللوبيات المؤيدة لها.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد نتنياهو نفسه أمام تحدٍ سياسي غير مسبوق، بعدما تحولت الحرب التي أرادها وسيلة لاستعادة زمام المبادرة إلى عامل إضافي يفاقم أزماته الداخلية والخارجية. وبين استمرار الانتقادات، وتراجع نتائج استطلاعات الرأي، واتساع الخلافات مع الحلفاء، تبقى الساحة الإسرائيلية مفتوحة على احتمالات متعددة مع اقتراب موعد الانتخابات، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة نتنياهو على تجاوز هذه المرحلة أو ما إذا كانت تمثل بداية النهاية لأطول حقبة سياسية في تاريخ إسرائيل الحديث.