تكشف الوثيقة عن تحول عميق في طريقة نظر واشنطن إلى العالم، فبعد عقود من الانخراط العسكري المباشر وشبه المباشر في الصراعات وتحمل أعباء الأمن الدولي، يبدو أن واشنطن ترغب اليوم في إعادة تعريف أولوياتها بالتركيز على منطلقين: الأول الالتفات إلى الشأن الداخلي تحت شعار “أميركا أولًا”، والثاني إدارة التوازنات الدولية بأقل تكلفة ممكنة.
اللافت أن الاستراتيجية لا تضع الشرق الأوسط أو أوروبا في مركز الاهتمام كما كان الحال في العقود الماضية، بل تركز على ما أسمته منطقة نصف الكرة الغربي: دول الأمريكيتين، والصين وروسيا وغرينلاند وما بينها من محيطات وبحار، مع إعطاء أولوية للصين التي تتعامل معها الوثيقة كتحد رئيسي يتم على أساسه بناء معظم الحسابات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، بحيث يكون التعامل مع بقية الملفات من زاوية تأثيرها على هذا الصراع الكبير.
أما بالنسبة لروسيا، فقد صنفتها الوثيقة تهديدًا مستمرًا لكنه سهل الاحتواء، وبالفعل يجري احتواؤها بتوريطها في أوكرانيا، أما أوروبا فهي بحسب الاستراتيجية مطالبة بالاعتماد على نفسها وما نراه اليوم من ضغط على هيكلية الناتو وتهديد بسحب القواعد العسكرية الأمريكية إلا اثبات لهذه التوجهات.
في منطقة الشرق الأوسط فإن الوثيقة تعد إيران تهديدًا حقيقيًا للمصالح الأمريكية، لكن التركيز يظل على دعم الحلفاء في الشرق الأوسط بحذر أكبر دون الانخراط في حروب طويلة.
الاستراتيجية تنم أيضًا عن إدراك لمشاكل الداخل الأمريكي، والتي تراها خطيرة كما هي التحديات الخارجية، وتتمثل هذه المشاكل في تراجع القدرات الصناعية، وارتدادات الأزمات العالمية -التي عادة ما تكون واشنطن جزءًا منها- على الاقتصاد الأمريكي، وخصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والدفاع الصاروخي والحرب السيبرانية وغيرها من الأولويات الجديدة.
باختصار، لا تعلن الاستراتيجية انسحاب الولايات المتحدة من العالم، بل نهاية مرحلة تاريخية كانت فيها واشنطن مستعدة لدفع الفاتورة الأمنية عن الجميع، أو الانتقال من دور الشرطي إلى دور ضامن للتوازنات. وهذا التحول باعتقادي سيكون له أثر عميق على حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء، وعلى شكل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
دول المنطقة ستعيد دراسة تموضعاتها، ولا بد لها من تعزيز منعتها الداخلية، تحت عنوان الدولة الوطنية التي ترفض كل الأفكار العابرة للحدود، وتحاصر كل الجماعات ذات النزعة المليشياوية التي لطالما كانت معول هدم وثغرة تدخل منها المشاريع الخارجية والفوضى.
ربما تجد دول كثيرة ومنها الأردن نفسها أمام الحاجة لمراجعة عميقة للتعامل مع احتمالية تشكُّل محاور جديدة على أسس جديدة من قبل دول من الصف الثاني استغلالًا للمساحة التي ستتركها واشنطن.