وفي ذلك الوقت كان قطاع غزة خاضعا للادارة المصرية، من عام 1949 إلى عام 1956، ومرة أخرى من عام 1957 إلى عام 1967، وكانت المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية في المنطقة، هي وجود أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في فقر مدقع في مخيمات بائسة، وغالبية سكان المخيمات هم من هجروا من أراضيهم التي احتلتها اسرائيل عام 1948.
ولأن العرب كانوا منفعلين بعد الهزيمة ، عقدت في العاصمة السودانية الخرطوم قمة عربية طارئة بين 29 أغسطس – آب و1 سبتمبر أيلول، وحضرت القمة كافة الدول العربية باستثناء سوريا، التي كانت أكثر تشددا ودعت إلى حرب تحرير شعبية ضد إسرائيل، وتبنت القمة قرارات "حازمة" مثل إعلان اللاءات الثلاث: "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل"، لكن في وقت لاحق جرت مفاوضات لا تتوقف مع دولة الاحتلال!.
ولعل أهم الدروس المستفادة من هذه الكارثة، هو ضرورة الاعداد الجيد لأي حرب متوقعة مع العدو أيا كان هذا العدو، بدون ممارسة التضليل الاعلامي، والمزاعم الفارغة عن القدرة على سحق العدو!.
ومنذ هزيمة حزيران سالت مياه غزيرة تحت الجسور، وكان أخطرها "اتفاق اوسلو" بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت فيه المنظمة باسرائيل في سابقة تاريخية، وكان اتفاق أوسلو مجحفا جدا بالنسبة للشعب الفلسطيني!.
وأهم ما نص عليه الاتفاق، نبذ منظمة التحرير الفلسطينية الإرهاب والعنف (تمنع المقاومة المسلحة ضد إسرائيل)، وتحذف البنود التي تتعلق بها في ميثاقها كالعمل المسلح وتدمير إسرائيل، وتعترف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، كما تعترف منظمة التحرير بدولة إسرائيل (على 78% من أراضي فلسطين التاريخية، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة.
وحسب الاتفاق تنسحب إسرائيل من أراض في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال خمس سنين، تنسحب على مراحل أولها "أريحا وغزة " اللتين تشكلان 1.5% من أرض فلسطين.
وتقر إسرائيل بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي (أصبح يعرف فيما بعد السلطة الوطنية الفلسطينية)، على الأراضي التي تنسحب منها في الضفة الغربية وغزة (ليس دولة مستقلة ذات سيادة)، وإنشاء قوة شرطة من أجل حفظ الأمن في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وإقامة مجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وبعد ثلاث سنين تبدأ "مفاوضات الوضع الدائم"، يتم خلالها مفاوضات بين الجانبين، بهدف التوصل لتسوية دائمة، وتشمل هذه المفاوضات القضايا المتبقية بما فيها القدس، وحق عودة اللاجئين وحق التعويض..الخ .
بطبيعة الحال حدث جدل واسع في الساحة الفلسطينية بسبب اتفاق أوسلو، وكان ثمة فصائل فلسطينية تتبنى نهج الكفاح المسلح عارضته بقوة، مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير الفلسطينية، حتى داخل حركة فتح برزت أصوات رئيسية، ترفض الاتفاق وكان أكثرها قوة فاروق القدومي، بالاضافة الى مفكرين ومثقفين وسياسيين فلسطينيين كبار وجهوا له انتقادات قاسية، واعتبروه انتكاسة جديدة لا تقل ضررا عن انتكاسة 5 حزيران!.
وكان يفترض أن ينتهي اتفاق أوسلو باقامة دولة فلسطينية مستقلة، لكن اسرائيل أصرت على اقامة كيان فلسطيني منزوع السيادة والسلاح، ورغم اعتراف أكثر من 140 دولة من مختلف انحاء العالم بالدولة الفلسطينية، لكن اسرائيل ترفض ذلك وتصر على اقامة كيان أشبه بكانتونات في اراضي الضفة الغربية المزروعة بالمستوطنات، والحواجز والطرق الالتفافية، وكان أكثرها سوءا الجدار العنصري الذي اقامته اسرائيل ويفصل أراضي الضفة الغربية بطريقة عجيبة!.
ولا تزال قوات الاحتلال الاسرائيلي تقوم باجتياح اراضي الضفة الغربية، دون أي اعتبار للسلطة الفلسطينية، أو لتصنيفات الأراضي التي قسمت حسب اتفاق أوسلو الى "أ، ب ، ج"، بل أن سلطات الاحتلال أصبحت تتعامل مع السلطة الفلسطينية وكأنها حارس لأمنها!.
وبعد نحو 59 عاما من كارثة 5 حزيران، شنت اسرائيل في 7 تشرين الأول عام 2023 حرب" ابادة جماعية " على قطاع غزة، استمرت نحو عامين ونصف العام أسفرت عن استشهاد نحو 80 ألف شخص وأكثر من 200 ألف جريح، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، فضلا عن أعداد كبيرة من المعوقين وتسببت تلك الحرب بكارثة انسانية، أبرز معالمها النزوح المتواصل داخل القطاع، وسط بيئة ملوثة تنتشر فيها الأمراض والأوبئة!.