رياضة

النشامى.. صفحة التجريب تُغلق وموعد التاريخ يقترب

حشد الدعم ضرورة لإنجاح المشاركة الأردنية في المونديال

مع انتهاء المحطات التحضيرية الأخيرة للمنتخب الوطني لكرة القدم، بدأ النشامى فعلياً واعتباراً من فجر اليوم الدخول في الأمتار الأخيرة قبل النسخة الـ 23 من نهائيات كأس العالم الحدث الأكبر في كرة القدم.
سلسلة التدريبات التي بدأت هنا في عمان وتواصلت في سويسرا وسان دييجو والمباراتان الوديتان أمام سويسرا وكولومبيا، هي صفحة وأُغلقت، ليتوجه النشامى بعدها إلى مدينة بورتلاند الأمريكية للاستقرار بمعسكره الرسمي خلال المونديال، وهنا تبدأ مرحلة جديدة تختلف في تفاصيلها ومتطلباتها عن كل ما سبق، وتحتاج إلى استثمار حقيقي لكل ما تحقق خلال الفترة الماضية.
‎النشامى الآن على أعتاب التاريخ وهو يظهر للمرة الأولى في تاريخه بالمونديال وضمن المجموعة العاشرة إلى جانب منتخبات الأرجنتين والجزائر والنمسا، ويوم الأربعاء المقبل هو الموعد الرسمي لانطلاق رحلة المجد عبر لقاء النمسا عند السابعة صباحاً، على ملعب سانتا كلارا في سان فرانسيسكو، ثم الجزائر عند السادسة صباح الثلاثاء 23 من الشهر ذاته وعلى نفس الملعب، وأخيراً الأرجنتين عند الخامسة صباح الأحد 28 منه، على ملعب دالاس، حيث أن مواعيد المباريات حسب التوقيت المحلي في العاصمة عمان.
الآن لم تعد قصة النشامى مجرد منافسة في بطولة هي الأكبر على الإطلاق، بل هي مشروع وطني رياضي متكامل بلغ ذروته بالتأهل التاريخي إلى نهائيات كأس العالم، وهو الإنجاز الذي انتظرته أجيال متعاقبة من الأردنيين، وحلمت به جماهير الكرة على امتداد عقود طويلة.
قبل كأس العالم وعند تقييم المرحلة التحضيرية، فإن التركيز على نتائج المباريات الودية فقط يعد نظرة قصيرة المدى لا تعكس الصورة الكاملة، فالغاية الأساسية من هذه اللقاءات لم تكن جمع النقاط أو تحقيق الانتصارات بقدر ما كانت اختبار الجاهزية الفنية والبدنية، ومنح الجهاز الفني فرصة أوسع لتجربة اللاعبين، واكتشاف نقاط القوة والضعف، وبناء الانسجام بين عناصر المنتخب، والوصول إلى أفضل تشكيلة ممكنة قبل خوض غمار المونديال.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المنتخبات الكبرى نفسها لا تجعل من نتائج المباريات الودية معياراً نهائياً للحكم على مستوى الفريق، لأن هذه المواجهات تخضع لحسابات مختلفة تتعلق بالتجريب والتقييم والتحضير، ومن هنا فإن الأهم بالنسبة للمنتخب الوطني هو حجم المكاسب الفنية التي تحققت، ومدى قدرة الجهاز الفني على تطوير الأداء الجماعي ومعالجة الملاحظات التي ظهرت خلال فترة الإعداد.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على جميع المكتسبات التي تحققت خلال مشوار التأهل التاريخي، سواء على مستوى الثقة بالنفس أو الانضباط التكتيكي أو الروح القتالية التي ميزت المنتخب في مختلف الاستحقاقات، فالوصول إلى كأس العالم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من العمل والتخطيط والتضحيات، وهو ما ينبغي المحافظة عليه وتعزيزه خلال الفترة القادمة.
ولا بد من الإشارة إلى أن المشاركة الأردنية في كأس العالم تحمل أبعاداً تتجاوز حدود النتائج والأرقام، فمجرد الوجود بين نخبة منتخبات العالم يمثل إنجازاً وطنياً كبيراً، ويعكس التطور الذي شهدته كرة القدم الأردنية خلال السنوات الأخيرة، كما أن هذه المشاركة تضع الأردن على خريطة كرة القدم العالمية بصورة غير مسبوقة، وتمنح اللاعبين والجهاز الفني والإدارة فرصة ثمينة لاكتساب الخبرات والاحتكاك بأعلى المستويات.
ومن الخطأ اختزال المشاركة المرتقبة بمسألة الفوز أو الخسارة فقط. فكأس العالم هو أصعب بطولة كروية على الإطلاق، ويضم أفضل المنتخبات وأبرز النجوم وأقوى المدارس الكروية، لذلك فإن التعامل مع الحدث يجب أن يكون من منظور أوسع وأشمل، ينظر إلى المشاركة باعتبارها خطوة أولى على طريق العالمية، ومحطة تأسيسية لمستقبل أكثر إشراقاً لكرة القدم الأردنية.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى حشد جميع أشكال الدعم والمساندة للنشامى خلال المرحلة المقبلة، فالمنتخب الآن يمثل الوطن بأكمله في أكبر محفل كروي عالمي، ومن هنا فإن مسؤولية الدعم تقع على عاتق الجميع؛ المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص ووسائل الإعلام والجماهير، من أجل توفير أفضل الظروف الممكنة للمنتخب حتى يواصل كتابة فصول هذه القصة الاستثنائية.
كما أننا هنا في الإعلام الرياضي مطالبين اليوم بلعب دور إيجابي ومتوازن، يركز على دعم المنتخب وتعزيز الثقة بقدراته، بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو إصدار الأحكام المتسرعة بناء على نتائج مباريات تجريبية، فالمنتخب يحتاج إلى بيئة مستقرة وهادئة تساعده على التركيز الكامل في التحضير للمونديال.
لقد حقق النشامى الإنجاز الأكبر في تاريخ الكرة الأردنية عندما بلغ نهائيات كأس العالم، لكن هذا الإنجاز يجب أن يكون بداية الطريق لا نهايته، فالمشاركة العالمية تفتح أبواباً واسعة للتطوير والاستثمار الرياضي واكتشاف المواهب ورفع سقف الطموحات، بما يضمن استمرار حضور الكرة الأردنية في المشهد الكروي الدولي.
وبينما قد تحقق النتيجة الأهم بوصول الأردن إلى كأس العالم، يبقى الأمل بأن تكون هذه المشاركة التاريخية نقطة انطلاق نحو إنجازات أكبر وحضور أكثر رسوخاً على الساحة العالمية خلال السنوات المقبلة.