الطائرة الأولى هبطت في مطار القليعات – رينيه معوض، وابتهج اللبنانيون بها لأن المطار ليس مجرد مدرج للطائرات، بل مدرجٌ للاقتصاد والحياة والوظائف والاستثمار والكرامة.
شاهدنا أبناء الشمال اللبناني يتعاملون مع الحدث باعتباره لحظة تاريخية انتظروها منذ عقود، ومدخلاً حقيقياً للإنماء المتوازن.
وهنا يبدأ سؤالنا الأردني المؤجل: ماذا عن شمالنا نحن؟ وماذا عن إربد التي ما تزال طائراتها تتأخر في الوصول منذ عشرات السنين؟.
إربد ليست مدينة صغيرة تطلب خدمة مترفة. إنها ثاني أكبر محافظات المملكة، ويزيد عدد سكانها على مليوني نسمة موزعين على ألوية واسعة ومكتظة وحيوية. وهي محافظة تمتلك ما يكفي من المقومات لتكون إقليماً اقتصادياً وسياحياً وتنموياً متكاملاً، لكنها ما تزال تشعر بأنها خارج أولويات التنمية الحقيقية.
ولطالما عاد الحديث عن مطار إربد إلى الواجهة في كل موسم موازنات أو زيارات حكومية أو لقاءات نيابية، ثم يعود ويختفي كأنه مجرد فكرة رومانسية لا مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة.
مع أن الوقائع تقول غير ذلك تماماً. فالشمال الأردني لم يعد مجرد منطقة زراعية أو تجمعات سكانية ضخمة، بل أصبح وجهة سياحية متصاعدة بشكل مذهل.
في الربيع تتحول أم قيس وبرقش وبيت راس وطبقة فحل وراحوب ووادي الريان وغابات الشمال إلى مقصد لعشرات آلاف الزوار من الأردنيين والخليجيين والعرب.
وسياحة الطبيعة التي باتت إحدى أسرع الصناعات نمواً في العالم، تجد في شمال الأردن كنزاً حقيقياً ما يزال الاستثمار فيه أقل بكثير من إمكاناته.
تخيلوا فقط لو أن سائحاً خليجياً يستطيع أن يستقل رحلة مباشرة إلى إربد بدل أن يهبط في عمّان ثم يقطع ساعات طويلة للوصول إلى الشمال.
تخيلوا حجم الفنادق والمشاريع والمطاعم والاستثمارات التي يمكن أن تنشأ حول هذا التحول. وتخيلوا كيف يمكن لمطار كهذا أن يعيد تعريف موقع الشمال الأردني اقتصادياً وسياحياً.
المزارعون في إربد والمفرق والأغوار يحلمون منذ سنوات بمطار شحن زراعي ينقل منتجاتهم الطازجة مباشرة إلى الأسواق الخليجية والأوروبية. فكم من فرص للتصدير تضيع بسبب كلفة النقل وبطء الخدمات اللوجستية؟.
ليس المطلوب هنا مطاراً ضخماً ينافس المطارات العملاقة، بل بنية نقل ذكية تفتح شرايين جديدة للاقتصاد الأردني.
بيد ان السؤال الذي يحتاج الى اجابه واضحة هو لماذا مازلنا نعتمد عملياً على مطار محوري واحد في عمّان، فيما المطار الثاني في ماركا بدأ للتو نشاطا محدوداً. ومن المسرّات أن مطار العقبة لعب دوراً مهما في تنشيط السيحة بالجنوب والمثلث الذهبي على وجه التخصوص. فلماذا تظل المحافظات الكبرى بعيدة عن التفكير الجدي في توزيع التنمية الجوية واللوجستية.
إربد ليست فقط محافظة مكتظة بالسكان، وفيها عشرات الآلاف من المغتربين الذين يتمنون لو كان هناك مطار قريب من قراهم وبلداتهم، بل هي محافظة حدودية أيضاً، قريبة من سوريا، ومؤهلة لأن تكون بوابة تجارية وسياحية وزراعية هائلة إذا ما أُعيد فتح الأفق أمامها بخطط حقيقية.
في بلد يواجه اقتصاده تحديات واضحة، لم يعد ممكناً النظر إلى المطارات باعتبارها مجرد مرافق للنقل، بل أدوات إنعاش اقتصادي حقيقية. فالمطار يعني وظائف، ويعني فنادق، ويعني شحناً وتجارة واستثماراً وسياحة ومؤتمرات وحركة بشرية ومالية كاملة.
يحدونا الأمل أن لا يظل مطار إربد حلما مؤجلا، لأن الطائرات عندما تتأخر في الوصول، تتأخر معها التنمية نفسها أيضاً.