كتاب

التعليم المهني والتقني في المدارس: مسار وطني نحو المستقبل

في العيد الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، نستذكر بكل فخر واعتزاز التضحيات الجليلة التي بُذلت في سبيل استقلالها، ودور القيادة الهاشمية الّتي كرست جهودها لبناء الأردن وترسيخ مؤسساته وحماية منجزاته. فقد كان الاستقلال ثمرة مسيرة طويلة من العطاء والتضحية والإيمان بوطن قادر على النهوض، وقيادة هاشمية حملت همّ الإنسان الأردني، وجعلت من بناء الدولة وتعزيز كرامة المواطن محورًا ثابتًا في كل مرحلة من مراحل النهضة الوطنية.
وانطلاقًا من هذا الإرث الوطني الكبير، جاءت الرؤى الملكية السامية لتؤكد أن بناء المستقبل لا يتحقق إلا بالاستثمار في الإنسان، وتطوير التعليم، وتمكين الشباب بالمعرفة والمهارة والقدرة على الإنتاج. وقد أولى جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه، التعليم أهمية خاصة باعتباره الركيزة الأساسية للتحديث، والطريق الأهم لبناء اقتصاد قوي ومجتمع منتج قادر على المنافسة.
وفي هذا السياق، شهد التعليم المهني والتقني في المدارس عملية تحديث وتطوير واسعة منذ عام 2023، حيث بدأت الوزارة بتطبيق برامج مهنية وتقنية حديثةBTEC من خلال ستة برامج، ثم توسعت هذه البرامج لتصل في العام الحالي إلى اثني عشر برنامجًا، ومن المخطط أن ترتفع في العام المقبل إلى أربعة عشر برنامجًا. كما توسع عدد المدارس التي تقدم مسارات التعليم المهني والتقني BTEC ليبلغ هذا العام 331 مدرسة، مع خطة لرفعه إلى 362 مدرسة، وبطاقة استيعابية للصف العاشر لتصل الى 25 الف طالب في حين بلغ عدد الطلبة الملتحقين هذا العام بهذه البرامج نحو 46 ألف طالب وطالبة.
ولم يأتِ هذا التوسع إلا استجابة لحاجات سوق العمل، والتغيرات المتسارعة في طبيعة الوظائف، والتطور التكنولوجي الذي يشهده العالم. فالوظائف اليوم لم تعد كما كانت في السابق، وسوق العمل أصبح يحتاج إلى مهارات تطبيقية، وقدرة على استخدام التكنولوجيا، وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي، والتعامل مع بيئات عمل متغيرة ومتقدمة. ومن هنا، فإن استحداث البرامج المهنية والتقنية جاء ليمنح الطلبة فرصًا حقيقية لاكتساب مهارات عملية مرتبطة بالمستقبل، بدلًا من الاقتصار على التخصصات التقليدية فقط.
ويكتسب التعليم المهني والتقني أهمية مضاعفة في ظل التحديات الاقتصادية، وخاصة البطالة، حيث بلغ معدل البطالة بين الأردنيين الشباب 21.1% خلال الربع الأول من عام 2026. ومن هنا، فإن تطوير التعليم المهني والتقني يمثل أحد المسارات الوطنية المهمة للحد من البطالة، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب، وتوفير سبل حياة أفضل لهم من خلال تعليم يقود إلى العمل والإنتاج والاعتماد على الذات.
تقوم فلسفة التعليم المهني والتقني الحديثة في الوزارة على إعداد الطالب لعدة مسارات مستقبلية، فهو قادر بعد التخرج على الالتحاق بسوق العمل مباشرة، أو تأسيس مشروعه الخاص، أو التوجه إلى التدريب المهني المتقدم، أو استكمال دراسته الجامعية. وهذا التنوع في المسارات يمنح الطالب مرونة أكبر في بناء مستقبله، ويؤكد أن التعليم المهني والتقني لم يعد مسارًا محدود الخيارات، بل أصبح مسارًا مفتوحًا نحو العمل والريادة والتعليم المستمر.
كما أن التعليم المهني والتقني يقوم على الريادة والابتكار، ويمكّن الشباب من تحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للتطبيق، سواء بعد التخرج أو حتى أثناء الدراسة. فالطالب في التعليم المهني والتقني لا يتعلم المعرفة النظرية فقط، بل يتعلم كيف يوظفها في إنتاج خدمة أو منتج أو حل عملي، وكيف يستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بطريقة فعالة، وكيف يطور أدواته ومهاراته ليواكب احتياجات المستقبل وقد شهدت التجربة الأردنية تميز عدد كبير من الطلبة والطالبات في الابتكار وإنشاء مشاريع تجارية صغيرة وهم على مقاعد الدراسة.
إن ما تقوم به وزارة التربية والتعليم من استحداثات وتوسعات في التعليم المهني والتقني ليس إجراءً مؤقتًا، بل هو مسار استراتيجي مبني على خطط واضحة تخدم الوطن وتنسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي. وقد عملت الوزارة على إعداد خطة استراتيجية لتطوير التعليم المهني والتقني تتضمن عشرين مشروعًا تطويريًا، تهدف إلى تحسين جودة البرامج، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وتطوير بيئة التدريب العملي، ودعم التعلم القائم على العمل، ورفع جاهزية الطلبة للانتقال إلى سوق العمل والتعليم العالي وريادة الأعمال.
وفي عيد الاستقلال الثمانين، يصبح الحديث عن التعليم المهني والتقني حديثًا عن الاستقلال بمعناه التنموي الحديث؛ استقلال يقوم على المعرفة، والإنتاج، والاعتماد على الذات، وتمكين الشباب من امتلاك أدوات المستقبل. فالأردن الذي بناه الهاشميون بالتضحية والإرادة، يواصل اليوم مسيرته بالتعليم والتحديث والعمل، واضعًا أبناءه وبناته في قلب مشروعه الوطني.
إن التعليم المهني والتقني في المدارس الأردنية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح خيارًا وطنيًا استراتيجيًا، ومسارًا حقيقيًا لبناء جيل منتج، مبدع، قادر على العمل، وصناعة الفرص، والمساهمة في نهضة الأردن. ومن هنا، فإن المضي في تطوير هذا المسار هو وفاء لمعاني الاستقلال، واستثمار في مستقبل الوطن، وترجمة عملية للرؤى الملكية التي ترى في الإنسان الأردني الثروة الأغلى والركيزة الأهم في بناء الدولة الحديثة.
حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، في ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين، وكل عام والوطن وقائده وشعبه بألف خير.