في السادس من حزيران، تعود إلى الذاكرة سيرة أحد رجال الجيل الذي شارك في بناء الدولة الأردنية الحديثة، ورسم ملامحها في سنواتها الأولى، وهو المرحوم ضيف الله محمود الحمود الخصاونة، الذي رحل عن الدنيا في مثل هذا اليوم من عام 2001، بعد رحلة طويلة امتدت ما يقارب تسعة عقود، عاش خلالها مراحل التحول الكبرى التي شهدها الأردن منذ سنوات التأسيس الأولى وحتى مطلع الألفية الجديدة.
ولم يكن ضيف الله الحمود مجرد مسؤول شغل مناصب رفيعة في الدولة، أو نائباً ووزيراً وأميناً للعاصمة ومحافظاً لها، بل كان نموذجاً لجيل كامل من الرجال الذين حملوا همّ الدولة الناشئة قبل أن تكتمل مؤسساتها، وأسهموا في ترسيخ قيم العمل العام والخدمة الوطنية في مرحلة كانت البلاد أحوج ما تكون فيها إلى الكفاءات والرجال المؤمنين برسالتها.
وُلد الحمود في قرية النعيمة بمحافظة إربد عام 1914، ونشأ في بيئة ريفية أردنية أصيلة، تشبّع فيها بقيم العمل والكرامة والاعتماد على النفس. تلقى تعليمه في كتاتيب إربد ومدارسها، قبل أن ينتقل إلى مدرسة السلط الثانوية التي كانت آنذاك منارة للعلم ومصنعاً للنخب الأردنية، ثم واصل دراسته في كلية الحقوق بالجامعة السورية في دمشق، متخرجاً عام 1946 في مرحلة كانت دمشق خلالها تعيش مخاض الاستقلال والنهوض العربي.
هناك، لم يكن طالب الحقوق الأردني منشغلاً بالدراسة وحدها، بل كان جزءاً من الحركة الوطنية الطلابية، مشاركاً في تأسيس رابطة الطلبة الأردنيين، ومواكباً للأحداث التي شهدتها سوريا في سنوات النضال ضد الانتداب الفرنسي. وقد ظل ذلك الوعي القومي المبكر جزءاً أصيلاً من شخصيته طوال حياته.
عاد الحمود إلى الأردن في عام الاستقلال، ضمن واحدة من أكبر دفعات الخريجين الجامعيين الأردنيين آنذاك، لينخرط في خدمة وطنه الناشئ. بدأ معلماً، ثم عمل في التجارة والمحاماة، قبل أن يلتحق بسلك القضاء، حيث شغل مواقع متعددة منها مساعد النائب العام، وقاضي الصلح والأحداث، ونائب رئيس محكمة إربد.
لكن القضاء لم يكن المحطة الأخيرة في مسيرته. فقد قادته تجربته إلى العمل النيابي والسياسي، فانتُخب نائباً عن محافظة إربد مرتين، كما تولى عدداً من الحقائب الوزارية، منها وزارة البرق والبريد والهاتف والطيران المدني، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الزراعة، ووزارة الداخلية، كما تولى أمانة العاصمة ومحافظة عمّان، وعُيّن عضواً في مجلس الأعيان في أكثر من دورة.
ومع ذلك، فإن سيرة ضيف الله الحمود لا تختزلها المناصب الرسمية وحدها.
فالرجل كان صحفياً ومفكراً وكاتباً وشاعراً، أسهم في تأسيس صحيفة "الميثاق" عام 1949، ثم أصدر صحيفة "الصحفي" التي استمرت لعقود طويلة، وتحولت إلى سجل حيّ للحياة الأردنية السياسية والاجتماعية والثقافية، حتى وصفها كثيرون بأنها أشبه بموسوعة توثق تفاصيل الأردن وأحداثه وشخصياته.
كما عرف الحمود بدوره الكبير في العمل الاجتماعي والخيري، حيث ترأس الاتحاد العام للجمعيات الخيرية، وأسهم في تأسيس ورعاية العديد من الجمعيات المعنية بالأيتام وأسر الشهداء والحجاج والسجناء والمحتاجين. وكان يرى أن العمل العام لا يكتمل من دون البعد الإنساني، وأن خدمة الناس هي جوهر المسؤولية العامة.
ولم يكن اهتمامه محصوراً بالشأن المحلي، بل امتد إلى قضايا الأمة العربية. فقد ترأس اللجنة الوطنية لنصرة الثورة الجزائرية، وكان من أوائل الداعمين لها في الأردن، كما شارك في لجان دعم العراق والقضايا العربية المختلفة، وظل مؤمناً بوحدة العرب وتكامل أدوارهم في مواجهة التحديات المشتركة.
وفي شهادة من عرفوه، كان ضيف الله الحمود إصلاحياً يؤمن بالتدرج والعمل المؤسسي. كان يفضّل البناء على الهدم، ويعتقد أن قوة الدولة تنبع من قوة مجتمعها، وأن النهضة تبدأ بالإنسان قبل أن تبدأ بالمشروعات والقرارات.
ولعل ما يميز سيرته أنه جمع بين أجيال متعددة من تاريخ الأردن؛ فقد ولد في زمن كانت البلاد ما تزال تتلمس طريقها نحو الدولة، وعاش سنوات الإمارة والاستقلال، وشارك في بناء المؤسسات، وشهد التحولات السياسية الكبرى التي مرت بها المنطقة، وبقي حتى سنواته الأخيرة شاهداً على قرن كامل من التحولات.
واليوم، بعد مرور أعوام طويلة على رحيله، يبقى ضيف الله الحمود واحداً من الأسماء التي تستحق أن تُستعاد لا بوصفها ذكرى شخصية أو عائلية، بل بوصفها جزءاً من ذاكرة وطن، وواحداً من رجال الرعيل الأول الذين أسهموا في بناء الأردن الحديث، وتركوا في مؤسساته وصحافته وحياته العامة أثراً ما يزال حاضراً حتى اليوم.