أكد الخبير في الأمن الغذائي فاضل الزعبي أن العالم يُحيي في السابع من حزيران من كل عام "اليوم العالمي لسلامة الغذاء"، تأكيداً على أن حماية المستهلك من المخاطر البيولوجية والكيميائية والفيزيائية لم تعد مجرد ممارسات تقليدية، بل باتت منظومة متكاملة من الأمن الوطني والغذائي، تتقاطع فيها صحة الإنسان مع ازدهار الاقتصاد واستدامة الموارد.
وتكتسب هذه المناسبة في الأردن أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما أنها تأتي هذا العام تحت شعار "سلامة الغذاء: العلم قيد العمل"؛ إذ يُمثل الغذاء الآمن الركيزةَ الأساسية للصحة العامة، والمحرّكَ الفعلي لسمعة الصادرات الوطنية، وحجرَ الزاوية في تنشيط قطاع السياحة.
وأشار الزعبي إلى أن أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية تُفيد بأن نحو 600 مليون شخص يُصابون سنوياً بأمراض منقولة بالغذاء، تتسبب في نحو 420 ألف وفاة، يمثل الأطفال دون سن الخامسة 30% منها. وعلى الصعيد الاقتصادي، تبلغ خسائر الإنتاجية والنفقات الطبية الناجمة عن الغذاء غير الآمن نحو 110 مليارات دولار سنوياً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وفي المنطقة العربية، تُمثل أمراض الإسهال المنقولة بالغذاء ما يقارب 70% من العبء الصحي الإقليمي، مُسببةً نحو 100 مليون إصابة سنوياً، فيما يحتل الأردن مرتبة متقدمة نسبياً على المستوى الإقليمي بفضل بنيته الرقابية والتشريعية المتينة.
وبيّن الزعبي أن الأردن سجّل نقاط تميّز واضحة في إدارة ملف سلامة الغذاء، من خلال إرساء أطر تشريعية مركزية متقدمة يتصدرها قانون الغذاء وقانون المؤسسة العامة للغذاء والدواء. وتضطلع المؤسسة بدور المظلة الوطنية والذراع الرقابي الأبرز، إذ نجحت بالتكامل مع وزارتي الصحة والزراعة والبلديات في توحيد الجهود لضبط الأسواق وتطبيق أعلى معايير الجودة. وقد أثمر هذا التطور عن قفزة نوعية في كفاءة التفتيش والاستجابة السريعة للحوادث الغذائية، تُسهم فيها المختبرات المرجعية الرسمية بدور محوري في فحص العينات وإصدار النتائج بدقة عالية. كما انخرط القطاع الخاص بوعي متنامٍ في هذه المنظومة عبر تبنّي المعايير الدولية، مما عزّز ثقة المستهلك وفتح أسواقاً تصديرية واسعة للمنتجات الأردنية.
وأوضح الزعبي أنه رغم الرقابة الصارمة، تُظهر الفحوصات المخبرية والدراسات الوبائية أن أبرز الأغذية المرتبطة بمخاطر السلامة في الأردن تشمل لحوم الدواجن ومنتجاتها باعتبارها المصدر الأول للحساسية الميكروبية، إلى جانب وجبات الشاورما والمايونيز والصلصات المحتوية على البيض النيء حين تُحفظ في ظروف حرارية غير مناسبة. وتتصدر الدواجن قائمة الأغذية الحساسة لكونها البيئة الطبيعية لبكتيريا السالمونيلا والكامبيلوباكتر والإشريكية القولونية. وتبرز المخاطر جلياً عند الطهي غير الكافي، إذ يستوجب العلم أن تبلغ درجة الحرارة الداخلية للدجاج 74 درجة مئوية على الأقل للقضاء على الجراثيم، مع ضرورة الفصل التام داخل المطبخ للحيلولة دون التلوث المتصالب للأغذية الجاهزة للأكل. وتقع على مصانع تجهيز الأغذية التي تُمد المطاعم بالشاورما والصلصات مسؤولية كبرى، تستوجب إلزامها بتطبيق أنظمة تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة (HACCP) والممارسات التصنيعية الجيدة (GMP)، وتفعيل نظام التتبع الرقمي الغذائي الذي يُتيح سحب أي تشغيلة مشكوك فيها خلال ساعات أو دقائق معدودة.
ولفت الزعبي إلى أن المطبخ المنزلي يظل المحطة النهائية التي تتقرر فيها سلامة الغذاء، مشيراً إلى أن ما بين 30% و60% من حالات التسمم مرتبطة بممارسات منزلية خاطئة، كالتبريد البطيء وإهمال غسل اليدين والتذويب غير السليم للمجمدات وإعادة التسخين السطحي. ونبّه إلى ضرورة التمييز بين مفهوم "صلاحية الغذاء" المرتبط بالجودة، ومفهوم "سلامة الغذاء" المرتبط بالخلو من الميكروبات، مؤكداً ألا تتجاوز مدة حفظ البقايا في الثلاجة عند درجة أقل من 4 درجات مئوية ثلاثة إلى أربعة أيام.
وحذّر الزعبي من تضاعف هذه المخاطر في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين، إذ يُسهم التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجة إلى درجتين مئويتين في تسريع نمو البكتيريا وإطالة مواسم تكاثرها، مما يُلقي بضغوط متزايدة على سلاسل التبريد. ويُضاف إلى ذلك خطر مقاومة المضادات الحيوية في قطاع الثروة الحيوانية، فضلاً عن تنامي تطبيقات التوصيل والمطابخ السحابية الافتراضية البعيدة عن أطر الرقابة التقليدية.
وخلص الزعبي إلى أن النهوض بسلامة الغذاء في الأردن خلال السنوات المقبلة يستلزم خارطة طريق شاملة، تتضمن تزويد المختبرات الوطنية بتقنيات التسلسل الجيني الكامل (WGS) وفحوصات الـPCR السريعة، وحسم تداخل الصلاحيات بين الجهات الرقابية، وإنشاء منصة رقمية موحدة لتتبع الأغذية. كما يتوجب على المصانع والمطاعم الالتزام بأنظمة الـHACCP، وعلى المزارعين الامتناع عن استخدام مياه الري غير المعالجة، فيما يُناط بالمستهلكين تطبيق قواعد السلامة الأربع في المطبخ. وشدد على أن سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة تبدأ من الحقل وتنتهي على المائدة، داعياً إلى الانتقال من مرحلة الرقابة وحدها إلى بناء ثقافة مجتمعية تعليمية شاملة، تكفل صون صحة المواطنين وتأمين مستقبل الأردن الاقتصادي.