في عمق الأودية السحيقة لمحافظة الطفيلة، وحيث تتدفق ينابيع المياه الدافئة لتكسر صمت التضاريس الجبلية الوعرة، تتربع بساتين عفرا والبربيطة كـ "سلة خضراء" نابضة بالحياة والاستثمار الزراعي الفريد، وسط محاولات ناجحة لتحويلها إلى مصادر دخل دائم، ومساحات خضراء تدعم قطاع السياحة في المحافظة الهاشمية.
هذا الامتداد التنموي الذي ينخفض عن سطح البحر ويمتاز بمناخه "الشفا غوري" الاستثنائي، تحول على مدار العقود الأخيرة إلى واحة غناء تحتضن زراعات نوعية ذات قيمة مضافة، وفي مقدمتها أشجار الجوافة والرمان التي باتت تشكل علامة تجارية فارقة تعبر عن جودة المنتج الأردني وقدرته على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية بفضل ريها المستمر من مصادر طبيعية نقية تشمل عيون الماء الممتدة وسيل الحسا وسد التنور.
وتؤكد البيانات الرسمية أن المساحات المزروعة بأشجار الجوافة وحدها في مناطق البربيطة وعفرا والعالي تجاوزت حاجز 700 دونم، تضم ما يزيد على 40 ألف شجرة مثمرة من أصناف مميزة تتنوع بين المصرية واللبنانية والملساء والمجعدة.
ويمتاز محصول الجوافة في هذه المنطقة تحديداً بخصائص فريدة تجعل الطلب عليه يفوق العرض مع انطلاق موسمه السنوي؛ حيث تساهم درجات الحرارة المثالية التي تلامس 28 مئوية ونقاء مياه الينابيع الدافئة في رفع مستويات السكريات داخل الثمار، فضلاً عن رائحتها النفاذة الذكية التي تفوح في أرجاء البساتين لتمنح المنتج ميزة تنافسية لا تضاهى.
ويروي المزارع عماد الحجوج، مالك أحد بساتين الجوافة الرائدة في منطقة البربيطة، تفاصيل هذا العطاء اليومي مبيناً أن التحول نحو هذا النمط الزراعي بدأ كمبادرات فردية متواضعة نهاية الثمانينات قبل أن يتسع مطلع عام 2000 ليصبح حجس أساس لمنظومة اقتصادية أساسية لعشرات العائلات في المحافظة.
وأضاف الحجوج أن بستانه بات يمثل جزءاً من منظومة حية للأمن الغذائي المحلي؛ حيث تبدأ أشجار الجوافة بالإنتاج السريع لتصل ذروتها في السنة الرابعة بمتوسط إنتاج يبلغ نحو 50 كيلوغراماً للشجرة الواحدة، مشيراً إلى أن الموسم الذي يمتد من منتصف آب ولمدة شهرين يمثل عرساً اقتصادياً حقيقياً لأبناء المنطقة، رغم ما يواجهونه من تحديات ميدانية تتعلق بارتفاع كلف استصلاح الأراضي والمنحدرات الجبلية الصعبة التي تفرض استخدام طرق ري تقليدية معقدة ومكلفة لجر المياه صوب التلال المستصلحة.
وأكد مدير زراعة محافظة الطفيلة، المهندس بلال الهلول، أن بساتين عفرا والبربيطة تمثل نموذجاً يحتذى به في استغلال الميزات النسبية للمحافظات وتطبيق معايير الحوكمة التشاركية في القطاع الزراعي، موضحا أن المديرية تضع هذا الشريط المائي والزراعي الحيوي على رأس أولوياتها التنفيذية من خلال تقديم الإرشاد الفني المتواصل ومكافحة الآفات الزراعية التي تهدد المحصول؛ مثل ذبابة حوض البحر الأبيض المتوسط والبق الدقيقي.
وأشار الهلول إلى أن خطط الوزارة تركز حالياً على دعم لوجستيات ما بعد الحصاد وتطوير قنوات التسويق وتأهيل الأودية لتقليل الفاقد من المياه، بما يضمن تثبيت المزارع في أرضه وتحويل قطاع الجوافة والرمان إلى رافعة حقيقية لمحاربة الفقر والبطالة، وترجمة الشعار الوطني الأسمى في الحفاظ على كرامة المواطن عبر الإنتاج والاعتماد على الذات.
وتبقى بساتين عفرا والبربيطة، بتفاصيلها الممتدة بين ثنايا الصخور وجريان مياهها الدافئة حكاية صمود إنساني صاغته سواعد أبناء الطفيلة الذين طوعوا جغرافيا الجنوب الوعرة وحولوها إلى قصة نجاح خضراء تفيض بالخير والعطاء، ومع كل موسم جديد للجوافة والرمان، يتجدد العهد بين المزارع وأرضه، لتظل هذه الأودية السحيقة شاهدة على أن إرادة الإنتاج والاعتماد على الذات هي الكفيل الأقوى لإنعاش التنمية المحلية وحفظ كرامة الإنسان، مرسخةً مكانة الطفيلة كأيقونة وطنية تجمع بين سحر الطبيعة وعزيمة البناء المتجذرة في قلب الوطن.