الأردن بين بطالة الشباب … وهيمنة العمالة الوافدة
09:00 4-6-2026
آخر تعديل :
الخميس
النائب فراس القبلان
في كل مرة تُعلن فيها أرقام البطالة في الأردن، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: كيف نعاني من البطالة، وفي الوقت نفسه يعمل في المملكة أكثر من مليون عامل وافد في مختلف القطاعات والمهن؟
هذا السؤال أصبح قضية وطنية تستحق الوقوف أمامها بجرأة وواقعية، بعيداً عن المجاملة أو الهروب من الحقيقة.
فالعمالة الوافدة التي جاءت إلى الأردن من الدول العربية الشقيقة وغيرها، لم تأتِ ومعها الوظائف، بل وجدت فرصاً موجودة أصلاً في السوق الأردني، واستطاعت أن تدخل قطاعات كاملة وتستقر فيها، بينما ما زال آلاف الشباب الأردنيين ينتظرون فرصة عمل قد لا تأتي.
وهنا تبرز الحقيقة المؤلمة:
المشكلة ليست دائماً في غياب الوظائف، بل أحياناً في طبيعة نظرتنا إلى العمل، وفي الفجوة الكبيرة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
لقد تربّت أجيال طويلة على أن النجاح يعني شهادة جامعية ومكتباً ووظيفة حكومية مستقرة، بينما تغيّر العالم من حولنا، وأصبحت الاقتصادات الحديثة تقوم على المهارة والإنتاج والعمل المهني والتقني أكثر من اعتمادها على الوظائف التقليدية.
واليوم، نجد قطاعات كاملة تعتمد بشكل شبه كامل على العمالة الوافدة، مثل الإنشاءات، والصيانة، والزراعة، والمطاعم، والمهن الفنية المختلفة، في الوقت الذي يعاني فيه شباب أردنيون من البطالة والانتظار الطويل.
السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا هو:
هل ما زلنا أسرى ثقافة “العيب” تجاه بعض المهن؟
للأسف، ما زالت بعض العائلات تنظر إلى العمل المهني أو الحرفي على أنه أقل قيمة من الوظيفة المكتبية، رغم أن هذه المهن في كثير من دول العالم المتقدمة تُعتبر العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
في ألمانيا، وسويسرا، وكوريا الجنوبية، والعديد من الدول الصناعية، يتجه معظم الطلبة بعد المرحلة الأساسية إلى التعليم المهني والتقني، لأن تلك الدول أدركت أن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى فقط بالشهادات النظرية، بل بالأيدي الماهرة والخبرات العملية.
وفي بعض هذه الدول، تصل نسبة الطلبة الملتحقين بالتعليم المهني إلى ما يقارب 70% من الطلبة، بينما يتجه الباقون نحو المسار الأكاديمي التقليدي.
أما نحن، فما زلنا نضخ آلاف الخريجين سنوياً في تخصصات مشبعة لا يحتاجها السوق، في الوقت الذي تستورد فيه المملكة عمالة من الخارج لتغطية النقص في المهن التقنية والحرفية.
لقد أصبح من الضروري إعادة النظر في فلسفة التعليم كاملة، وربطها بشكل مباشر بحاجات السوق الفعلية، لا بحاجات المجتمع الشكلية أو التوقعات التقليدية.
فليس الهدف أن نحمل أبناءنا شهادات فقط، بل أن نمنحهم القدرة على العمل والإنتاج وبناء مستقبلهم بكرامة.
التدريب المهني اليوم لم يعد خياراً ثانوياً أو مساراً لمن لم ينجح أكاديمياً، بل أصبح في كثير من الدول المتقدمة عنواناً للابتكار والدخل المرتفع والاستقرار الوظيفي.
نحن بحاجة إلى ثورة حقيقية في التعليم المهني والتقني، تبدأ من المدارس، وتستمر عبر مراكز تدريب حديثة مرتبطة مباشرة بسوق العمل، وتصل إلى تغيير نظرة المجتمع تجاه المهن كافة.
كما أننا بحاجة إلى حملات وطنية تعيد الاعتبار لقيمة العمل، وتزرع في الأجيال الجديدة أن كل مهنة شريفة هي مصدر فخر واحترام.
البطالة ليست مجرد رقم اقتصادي يُعلن في التقارير الرسمية، بل هي تحدٍ اجتماعي وسياسي وأمني أيضاً.
فالشباب الذي لا يجد فرصة عمل يفقد الأمل تدريجياً، وتتحول طاقته من البناء إلى الإحباط، ومن الإنتاج إلى الانتظار.
ومن هنا، فإن معالجة البطالة لا تكون فقط عبر الوعود أو الخطط النظرية، بل عبر تغيير ثقافة العمل، وربط التعليم بالسوق، ودعم التدريب المهني، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على تشغيل الشباب الأردني.
الأردن لا ينقصه الشباب، ولا الطاقات، ولا العقول، لكنه بحاجة إلى إعادة توجيه البوصلة نحو العمل والإنتاج والمهارة، بدلاً من الاكتفاء بثقافة الشهادات والوظائف التقليدية.
وعندما يصبح العمل المهني مصدر فخر، لا خياراً اضطرارياً، عندها فقط يمكن أن نبدأ فعلياً بمعالجة واحدة من أخطر القضايا التي تؤرق الدولة الأردنية والمجتمع الأردني بأكمله .