لا تزال بعض الوصفات الشعبية المرتبطة بالحيوانات البرية تجد طريقها إلى موائد المرضى،في قرى البادية بمحافظة المفرق، مدفوعة بالأمل في الشفاء من أمراض مزمنة أو مستعصية، رغم غياب أي دليل علمي يثبت فعاليتها، وتحذيرات المختصين من مخاطرها الصحية والبيئية.
في إحدى القرى، لجأ رجل خمسيني أنهكه ألم المفاصل إلى تناول لحم الضب المشوي لأيام متتالية، بناءً على نصائح تلقاها من معارف أكدوا له أن هذه الوصفة "تفك العظم" وتعيد للجسد قوته. لم يكن الرجل يبحث عن وجبة مختلفة، بقدر ما كان يلاحق أملاً جديداً بعد رحلة طويلة بين العيادات والعلاجات التقليدية.
وفي قرية أخرى، تروي الحاجة "أم أحمد" أن أحد أقاربها ذبح قنفذا بريا وطهاه اعتقادا بأنه علاج فعال لأمراض الجهاز التنفسي والربو، فيما يؤكد شاب من البادية الشمالية أنه شاهد أشخاصا يدفعون مبالغ مالية كبيرة للحصول على شحم الضبع أو مرارته، إيماناً بقدرتها على علاج العقم ومنح القوة
هذه الممارسات لم تعد مجرد روايات فردية متفرقة، بل تحولت في بعض البيئات إلى ما يشبه سوقا شعبية للوصفات الموروثة، حيث يتم تداول أسماء حيوانات وطيور وزواحف على أنها علاجات لأمراض مختلفة دون أي سند طبي.
ولا تقتصر القائمة على الضب والقنفذ، بل تمتد لتشمل البوم الذي يعتقد البعض أن أجزاء منه تمنح قوة البصر والرؤية الليلية، والهدهد الذي يروج له باعتباره علاجا للنسيان وضعف الذاكرة، فيما تستخدم بعض أجزائه في أعمال الدجل والشعوذة.
أما الضبع المخطط، فقد تحول لدى بعض ضعاف النفوس إلى سلعة في تجارة سوداء تروج لبيع أجزائه بأسعار مرتفعة تحت مزاعم العلاج وجلب القوة، في حين تنتشر ادعاءات أخرى حول حساء الأفاعي أو مرارتها كعلاج للسرطان وتساقط الشعر، ولحم الوبر البري باعتباره علاجاً للربو وضيق التنفس.
وتجد هذه المعتقدات مساحة واسعة للانتشار عبر المجالس الشعبية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتداول تجارب فردية وقصص شخصية على أنها حقائق مثبتة، الأمر الذي يدفع بعض المرضى إلى خوض تجارب قد تكون خطيرة، مدفوعين بالخوف من المرض أو الرغبة في الوصول إلى علاج سريع.
وتؤكد المختصة في الطب البيطري الدكتورة ابتهال الخريشا أن هذه الممارسات تفتقر إلى أي أساس علمي أو طبي مثبت، محذرة من أن الحيوانات البرية قد تكون ناقلة للعديد من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
وأضافت أن تناول لحوم أو شحوم هذه الحيوانات قد يعرض الإنسان للبكتيريا والطفيليات والسموم المتراكمة في أجسامها نتيجة طبيعة غذائها وبيئتها، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة بدلا من تحقيق أي فائدة علاجية.
وأوضحت أن شعور بعض الأشخاص بتحسن بعد تناول هذه الوصفات قد يرتبط بالتأثير النفسي والإيحائي الناتج عن إيمان المريض بفعاليتها، وليس بوجود خصائص علاجية حقيقية.
من جانبه، حذر المهتم بحماية الطبيعة إبراهيم حراحشة من أن الطلب المتزايد على هذه الحيوانات يسهم في تنامي عمليات الصيد الجائر، ما يهدد التوازن البيئي في المناطق البرية.
وأشار إلى أن العديد من هذه الأنواع تؤدي أدوارا مهمة في مكافحة القوارض والآفات الزراعية والحشرات والزواحف السامة، وأن تراجع أعدادها ينعكس سلباً على البيئة والزراعة معاً.
وفي الجانب الشرعي، يؤكد الشيخ يحيى البدارنة أن الأصل في الإسلام هو التداوي بما ثبت نفعه وكان مباحا، مشيرا إلى أن كثيرا من الحيوانات التي يروج لاستخدامها في العلاج تندرج ضمن الحيوانات المستقذرة أو التي لا يجوز أكلها.
وأضاف أن التداوي بما لم تثبت منفعته أو بما قد يلحق الضرر بالإنسان يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي تقوم على حفظ النفس وصون البدن.
ويرى الناشط الاجتماعي أكرم شرف الخالدي أن التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على تطبيق القوانين التي تجرم الصيد الجائر والاتجار بالحياة البرية، بل يتطلب أيضاً جهوداً توعوية مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.
وأكد أن نشر الثقافة الصحية وتعزيز الثقة بالطب القائم على الأدلة العلمية يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة من وصفهم بـ"تجار الوهم"، الذين يستغلون آلام المرضى وحاجتهم للعلاج، ويقدمون لهم أوهاما قد تكلفهم صحتهم وأموالهم في آن واحد.
وبين الأمل في الشفاء وسهولة تداول الشائعات، تبقى الحاجة ملحة إلى ترسيخ الوعي الصحي والعلمي، حتى لا تتحول معاناة المرضى إلى بوابة لاستنزافهم بوصفات لا تستند إلى العلم، وتلحق الضرر بالإنسان والبيئة معا.