دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب واقتصادها يعاني أصلًا من هشاشة صامتة: تضخم لم يُهزم بالكامل، أسعار فائدة مرتفعة، قلق في سوق العمل، وتراجع في ثقة المستهلكين. لكن الحرب كشفت أن النمو الاقتصادي في عام 2025 لم يكن كافيًا لإخفاء نقاط الضعف العميقة. فالاقتصاد الأمريكي، رغم ضخامته، لا يعيش خارج العالم؛ وحين تضطرب الطاقة في الخليج، ترتفع الكلفة في المصانع والمزارع والمطارات والمتاجر الأمريكية.
الأخطر أن الأزمة لا تقف عند النفط وحده. فهرمز ليس ممرًا للبترول فقط، بل عقدة حيوية للغاز والأسمدة وسلاسل الإنتاج المرتبطة بالغذاء والتكنولوجيا. لذلك قد تظهر آثار الحرب تدريجيًا في أسعار الطعام، وتكاليف النقل، وفواتير الطاقة، وقدرة الشركات على التخطيط. هنا يصبح التضخم سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي؛ لأن المواطن لا يصوّت بناءً على البيانات الرسمية، بل بناءً على ما يدفعه يوميًا مقابل الوقود والغذاء والسكن.
وفي هذا المشهد، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام معادلة صعبة: هل يخفض الفائدة لإنقاذ النمو وفرص العمل، أم يبقيها مرتفعة لكبح التضخم؟ هذه ليست معضلة فنية فقط، بل مأزق سياسي أيضًا، لأن أي قرار نقدي سيُقرأ داخل معركة الانتخابات النصفية. فإذا ارتفعت الأسعار سيدفع الحزب الحاكم الثمن، وإذا تباطأ الاقتصاد وارتفعت البطالة فسيبدو أن الحرب أربكت الداخل الأمريكي بقدر ما أربكت خصوم واشنطن.
الدرس الأعمق أن الحروب الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بحجم الارتداد الاقتصادي الذي تخلّفه. تستطيع واشنطن أن تضرب، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تتحكم في ما بعد الضربة. أرادت الولايات المتحدة أن تجعل من حرب إيران رسالة قوة، لكنها وجدت نفسها أمام سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا لو تحول مضيق هرمز إلى عامل انتخابي داخل أميركا؟.
الخلاصة: الحرب لم تخلق الهشاشة الأميركية، لكنها سرّعتها وعرّتها. وبين مضيق مضطرب، وأسعار مرتفعة، وفائدة جامدة، وناخب غاضب، تبدو أمريكا أمام لحظة تختبر قدرتها على تحمّل كلفة القوة.