حين تسمع أن ملكًا يفتتح جامعة في موقع معمودية السيد المسيح، تقف لحظة وتفكر: هذا ليس حدثًا عاديًا، فالمغطس، ذلك المكان الذي يحمل في ترابه ذاكرة بشرية قديمة ويزوره المسيحيون من كل أصقاع الأرض بقلوب مثقلة بالإيمان، لم يكن اختيارًا عابرًا لبناء جامعة، كان فعلًا ملكيًا بامتياز، يختصر في لحظة واحدة سنوات طويلة من الخيارات والمواقف والقيم التي يؤمن بها هذا البلد.
جلالة الملك عبدالله الثاني لم يفتتح مبنى، بل أرسل رسالة مضمونها بسيط في ظاهره لكنه عميق في جوهره: الأردن لا يتحمّل التنوع الديني على مضض، بل يحتفي به عن قناعة واختيار، وهذا فرق جوهري يغيب عن كثير من الدول التي تتحدث عن التسامح كما لو كانت تمنح امتيازًا لمن يختلف عنها في الدين أو الثقافة، فالتسامح الحقيقي لا يُعلَن، بل يُبنى على أرض الواقع، حجرًا فوق حجر، وقرارًا بعد قرار.
ولا يمكن فهم هذا الحدث بمعزل عن الدور التاريخي للأسرة الهاشمية في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، فالوصاية على المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ليست مسؤولية موروثة فحسب، بل التزام حيّ تجدد عبر الأجيال وصمد في أعتى اللحظات وأشدها ضغطًا. جلالة الملك عبدالله الثاني يحمل هذا الإرث بشجاعة وصلابة وإيمان راسخ بأن الدفاع عن المقدسات رسالة إنسانية ودينية في آنٍ واحد، لا تقبل المهادنة ولا تعرف المواسم، وافتتاح الجامعة في المغطس جاء امتدادًا طبيعيًا لهذه الرسالة، لا يصون الماضي فحسب بل يقدّمه لبنةً حيّة في بناء المستقبل.
والأردن لم يعرف يومًا الدين سببًا للتفرقة بين أبنائه، المسلم والمسيحي هنا لم يكونا جارين لبعضهما، بل شركاء في بناء وطن واحد وحاملَين لهوية مشتركة، الكنائس والمساجد تتجاور في المدن الأردنية كما تتجاور البيوت، والأعياد تُحتفل بها بروح جامعة لا تعرف الحواجز، هذا التلاحم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج دولة آمنت منذ نشأتها بأن قوة المجتمع تكمن في تماسكه لا في تجانسه.
وهذه القيم تسافر مع الأردنيين أينما ذهبوا، الجاليات الأردنية في المهجر، على اختلاف انتماءاتهم الدينية، تحمل معها هذا النموذج وتعيشه، في بلدان كثيرة يبقى الأردنيون نموذجًا لافتًا في تماسكهم، كأنهم يحملون الأردن معهم في كل مكان يحلّون فيه.
ومبادرة إحياء ذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030 تُقرأ بعينين: عين ترى البُعد الروحي العميق، وعين ترى فرصة لإعادة تقديم الأردن للعالم كمركز للحوار الإنساني، فالسياحة الدينية ليست مجرد رافد اقتصادي، بل نافذة يطل منها العالم على قيم بلد بأكمله.
في نهاية المطاف، ما يقوله الأردن من موقع المغطس هو أن التعايش ليس رفاهية فكرية ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا ادعاءً يُصدَّر للخارج كما بات مألوفًا في خطابات كثيرة حول العالم، بل هما حقيقة مصونة حملها الهاشميون جيلًا بعد جيل، وآمن بها الأردنيون وعاشوها في بيوتهم وشوارعهم وعلاقاتهم قبل أن يُعلنوها، وفي عالم تتصاعد فيه خطابات الكراهية والانغلاق، يبقى هذا النموذج تذكيرًا بأن ثمة طريقًا آخر ممكنًا، وأن احترام التنوع الديني والثقافي ليس ضعفًا، بل ربما أعمق أشكال القوة وأكثرها ديمومة.