في كل عام، يحتفل الأردن باستقلاله وسط تجديد للعهد بمسيرة لم تنقطع يوماً، مسيرة بنى فيها الأردنيون مؤسساتهم لبنةً لبنة، وكانت النقابات المهنية في طليعة هذا البنيان.
فمنذ أن رأت هذه النقابات النور في أعقاب الاستقلال، لعبت دوراً محورياً عبر محطات الوطن الفارقة، متنقلة بين الميدان الوطني والحضن المهني، في مسيرة تعكس تعقيد المشهد الأردني وثراءه في آن.
نشأت النقابات المهنية الأردنية منذ فجر الاستقلال، وترسّخت كمؤسسات وطنية جامعة تحتضن النخب وتعبّر عن تطلعات المجتمع. وعلى مدى عقود، تنقّلت بين أدوار متعددة، فتارةً كانت تتصدّر الشارع وتقود الحراك الشعبي، وتارةً تعود إلى رسالتها المهنية الأصيلة، والثابت في كل هذه المراحل أنها لم تغب عن المشهد ولم تتخلَّ عن مسؤوليتها تجاه منتسبيها والوطن. لكن الأبرز اليوم، في هذه الذكرى الثمانين للاستقلال، ليس ما خاضته النقابات من معارك الأمس، بل ما تشهده من تحوّل عميق في داخلها. فقد بدأت تيارات مهنية جديدة تشقّ طريقها بعزم الشباب إلى مجالس النقابات، حاملةً لواء التجديد والتخصص. والمحرّك الأساسي لهذا التحوّل هو جيل الشباب النقابي الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع بوعي مختلف، وصوّت بشكل مُعلن للتغيير والانقلاب على الألوان السياسية نحو رحابة العمل المهني.
هؤلاء الأعضاء الشباب لا يرفضون الإرث النقابي ولا يتبرّؤون منه، لكنهم يؤمنون بأن استمرار هذا الإرث يستوجب انصراف النقابات بجدية أعمق إلى رسالتها المهنية الأصيلة: الدفاع عن حقوق المهنيين، ورفع معايير الممارسة، وتنظيم المهن وفق أعلى درجات الاحترافية. وقد بات هذا التيار الشبابي يفرض نفسه بقوة في المشهد النقابي، مُعيداً الاعتبار لسؤال طالما كان مؤجلاً: لماذا تأسّست النقابات في الأصل؟.
في خضمّ النقاش حول دور النقابات، تبرز حقيقة يغفل عنها كثيرون: النقابات المهنية الأردنية ليست مجرد تجمّعات ضغط، بل هي مؤسسات خبرة متراكمة تمتلك كنوزاً معرفية ومهنية لا تستطيع كثير من الوزارات والمؤسسات الرسمية منافستها. فنقابة الأطباء تمتلك سجلاً حافلاً في تطوير المعايير الطبية، ونقابة المهندسين راكمت عقوداً من الخبرة في تنظيم قطاع البناء والتشييد، ونقابة المحامين تُعدّ ذاكرة حية للمنظومة القانونية الأردنية. هذا الرصيد أكسب النقابات المهنية الأردنية سمعة طيبة على المستويين الإقليمي والدولي، جعلتها شريكا موثوقا في منظمات ومنتديات متخصصة عبر القارات. وهو رصيد ينبغي صونه وتعزيزه لا استنزافه في صراعات السياسة اليومية. وإذا كان الأردن يحتفل باستقلاله الثمانين، فثمة ما يستحق الاحتفاء معه: الديمقراطية النقابية التي لم تنقطع منذ عهد الاستقلال. فبينما شهدت دول المنطقة تعليق الانتخابات وتجميد المؤسسات، ظلّت النقابات المهنية الأردنية وفيّة لصناديق الاقتراع، وانتقلت قياداتها سلمياً من يد إلى يد. هذه التجربة الديمقراطية المتواصلة هي في حدّ ذاتها إرث وطني يستحق الاعتزاز، ونموذج يُحتذى في محيط إقليمي لم يكن فيه ذلك دائماً أمراً مضموناً.
يجد المهنيون الأردنيون اليوم أنفسهم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور نقاباتهم في ضوء متطلبات المرحلة. ليس المطلوب القطيعة مع الماضي، ولا التنكّر للدور الوطني الذي لم يكن ترفاً بل جزء من هوية هذه المؤسسات. لكن المطلوب هو إدراك أن النقابة حين تكون قوية في مجالها المهني، وحين تنتج المعرفة وترسي المعايير وتُدافع عن أخلاقيات المهنة، فهي تخدم وطنها أعمق خدمة وأكثرها ديمومة.
في عيد الاستقلال الثمانين، تنظر النقابات المهنية إلى مرآة تعكس ثمانية عقود من العطاء، وتتطلع إلى أفق جديد يرسم ملامحه شباب آمن بالتغيير وذهب إلى صناديق الاقتراع ليثبت أن النقابات قادرة دائماً على تجديد نفسها، والارتقاء بمسؤوليتها، والوفاء بأمانة المهنة والوطن معاً.