التعاون الأردني الألماني يتجه نحو التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي
أجمع خبراء اقتصاديون على أن زيارة سمو الأمير الحسين بن عبداﷲ الثاني، ولي العهد، إلى ألمانيا ولقاءه وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي-رادوفان، تحمل أبعاداً اقتصادية وتنموية استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتعكس انتقال الأردن نحو مرحلة جديدة من الدبلوماسية الاقتصادية القائمة على الاستثمار ونقل المعرفة وبناء الشراكات طويلة الأجل مع أوروبا.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الراي»، إلى أن هذه الزيارة تعزز صورة الأردن كدولة جادة في الإصلاحات الاقتصادية، وأنها مؤهلة لدعم تنموي متقدم، مما يساعد في جذب تمويلات واستثمارات أوروبية أوسع.
زار سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وسمو الأميرة رجوة الحسين، الجمعة، مركز تدريب ABB، وهو أحد أكبر مراكز التدريب الصناعي والمهني في برلين، ألمانيا.
وأشار سمو ولي العهد إلى تميز التجربة الألمانية في التعليم والتدريب التقني والمهني، مؤكداً ضرورة تبادل الخبرات بين المركز والمؤسسات الأردنية.
ولفت سموه إلى أهمية توظيف الخبرات المكتسبة من التبادل المعرفي بين البلدين في تنفيذ المشاريع الوطنية الاستراتيجية، كالناقل الوطني للمياه والسكك الحديدية، التي تتطلب كوادر مؤهلة وماهرة.
واستمع سموهما، بحضور وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي-رادوفان، إلى إيجاز حول المركز وأبرز برامج التدريب المهني التي يتيحها، بما فيها تكنولوجيا الروبوتيكس، والأتمتة، والرقمنة.
وجال سموهما في مرافق المركز، الذي يضم خطوط إنتاج صناعية تتيح للمتدربين محاكاة عمليات الإنتاج واكتساب مهارات تقنية متقدمة.
واطلع سمو ولي العهد والأميرة رجوة، خلال الجولة، على عدد من المشاغل في المركز، واستمعا إلى تجارب الطلبة في التعليم والتدريب التقني والمهني.
ورافق سموهما في الزيارة مدير مكتب سمو ولي العهد، الدكتور زيد البقاعين، والسفير الأردني لدى ألمانيا فايز خوري.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن دلالات لقاء ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني مع وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية في برلين، في 22 مايو 2026، وتأكيده أهمية الشراكة التنموية الأردنية-الألمانية، يتمثل أثرها في تعزيز الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين الأردن وألمانيا. كما يعكس اللقاء استمرارية وتعميق العلاقات الأردنية-الألمانية في مجال التعاون الإنمائي، الذي يُعد أحد أعمدة الشراكة بين البلدين.
وأضاف مخامرة أن ألمانيا تعد شريكاً تنموياً رئيسياً للأردن منذ عدة سنوات، وأن هذا اللقاء يؤكد الالتزام المتبادل بتوسيع هذه الشراكة في ظل التحديات الاقتصادية والإقليمية التي يواجهها الأردن.
ولفت إلى أن ولي العهد أبرز خلال هذا اللقاء أهمية الدعم الألماني لمشاريع وطنية حيوية، مثل مشروع الناقل الوطني للمياه، والتعليم التقني والتدريب المهني، والاستفادة من النموذج الألماني في التعليم المهني، إلى جانب تحديث القطاع العام ومشاريع التنمية الاقتصادية.
وأضاف أن هذا اللقاء يدل على توجه أردني نحو نقل الخبرات والتكنولوجيا الألمانية بدلاً من الاعتماد فقط على المساعدات المالية التقليدية.
وأشار مخامرة إلى أن اللقاء تطرق أيضاً إلى تأكيد ولي العهد حرص الأردن على التعاون مع ألمانيا في الجهود الإنسانية وملف اللاجئين في المنطقة. كما يأتي اللقاء ضمن زيارة أوسع لولي العهد إلى ألمانيا شملت لقاءات مع المستشار فريدريش ميرتس ووزير الخارجية، مما يعزز موقع الأردن كشريك موثوق ومستقر في الشرق الأوسط.
وبيّن أن الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية لهذه الزيارة تتمثل في دعوة ألمانيا للمشاركة في مؤتمر الاستثمار الأردني-الأوروبي المقرر نهاية عام 2026، بالإضافة إلى رغبة أردنية في تحويل الشراكة التنموية إلى شراكات استثمارية وتجارية أكبر، خاصة في قطاعات الطاقة والمياه والتعليم والتكنولوجيا.
وأضاف أن هناك دلالة سياسية تتمثل في مشاركة ولي العهد شخصياً في هذه اللقاءات التنموية، بما يعكس الدور المتنامي له في الدبلوماسية الأردنية، ويرسل رسالة داخلية وخارجية باستمرارية الرؤية الاستراتيجية للدولة في علاقاتها مع الدول الكبرى.
وذكر أن هذه الزيارة تعزز صورة الأردن كدولة جادة في الإصلاحات الاقتصادية، وأنها مؤهلة لدعم تنموي متقدم، مما يساعد في جذب تمويلات واستثمارات أوروبية أوسع.
وختم مخامرة بأن اللقاء يمثل تأكيداً على استراتيجية الأردن في تعميق الشراكات النوعية مع دول مثل ألمانيا لمواجهة التحديات الاقتصادية، مع الاستفادة من الخبرة الألمانية العالية. كما يعكس استقرار السياسة الخارجية الأردنية والبحث عن شراكات مستدامة تتجاوز الحصول على المساعدات فقط، وصولاً إلى تحقيق تنمية حقيقية.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن زيارة ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، ولقاءه المستشار الألماني ووزير الخارجية ووزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، وكذلك رئيسة مجلس النواب الألماني، حملت الكثير من الرسائل الإيجابية، وجسدت مكانة الأردن لدى ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وعززت العلاقات الثنائية والشراكات الاستراتيجية بين البلدين الصديقين.
ولفت إلى أن زيارة ولي العهد إلى ألمانيا مهمة وتحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وتعليمية، وتدفع باتجاه تحقيق المزيد من الإنجازات في مستقبل العلاقات بين الأردن وألمانيا، التي تعد من أكبر اقتصادات العالم، بناتج محلي إجمالي تجاوز خمسة تريليونات دولار سنوياً، مما يشكّل فرصة كبيرة للأردن للاستفادة من عمق العلاقات التي تجمع البلدين، واستثمار الفرص المتاحة، وجذب الاستثمارات الألمانية إلى الأردن، والاستفادة من الخبرات التعليمية والتقنية الحديثة التي تمتاز بها ألمانيا.
وأشار إلى أن زيارة سمو ولي العهد إلى مركز ABB، الذي يعد أكبر مركز للتدريب الصناعي والمهني في برلين، والاطلاع على التجربة الألمانية في التعليم التقني والمهني، وتعزيز تبادل الخبرات مع المؤسسات الألمانية المتخصصة في هذا المجال، سينقل التعليم التقني والمهني في الأردن إلى مستويات متقدمة، مستفيداً من الخبرات الألمانية لتعزيز مفهوم التعليم والتدريب المهني والتقني، بما ينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم ويتوافق مع متطلبات سوق العمل المحلي والدولي.
وذكر أن حجم التبادل التجاري بين الأردن وألمانيا تجاوز 900 مليون دولار خلال العام الماضي، وأن هناك الكثير من الفرص الاستثمارية المتاحة بين البلدين، وكذلك إمكانية لزيادة الصادرات الأردنية إلى الأسواق الألمانية، ما يتطلب المزيد من العمل لاستثمار الفرص وإزالة العقبات للوصول إلى حجم تبادل تجاري واستثماري أكبر، بما ينعكس إيجاباً على مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن زيارة سمو الأمير الحسين بن عبداﷲ الثاني، ولي العهد، إلى ألمانيا ولقاءه وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي-رادوفان، تحمل أبعاداً اقتصادية وتنموية استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتعكس انتقال الأردن نحو مرحلة جديدة من الدبلوماسية الاقتصادية القائمة على الاستثمار ونقل المعرفة وبناء الشراكات طويلة الأجل مع أوروبا.
وأوضح الحدب أن أهمية الزيارة تنبع من مكانة ألمانيا باعتبارها أكبر اقتصاد أوروبي، حيث يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 4.7 تريليون دولار، وتمثل ما يقارب 25% من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى كونها أكبر قوة صناعية وتصديرية في القارة الأوروبية، وتعد ثالث أكبر دولة مصدّرة في العالم بصادرات سنوية تتجاوز 1.7 تريليون دولار، ما يجعل أي شراكة اقتصادية معها ذات أثر استراتيجي على الاقتصاد الأردني.
وأشار إلى أن ألمانيا تعد من أهم الشركاء التنمويين للأردن، حيث قدمت خلال السنوات الأخيرة دعماً بمليارات اليوروهات لمشاريع مرتبطة بالمياه والطاقة والبنية التحتية والتعليم والتشغيل واللاجئين، فيما تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.1 مليار يورو، مع وجود فرص كبيرة لتوسيع التعاون الصناعي والاستثماري والتكنولوجي.
وبيّن الحدب أن أهمية الأردن بالنسبة لألمانيا وأوروبا لم تعد تقتصر على البعد السياسي أو الإنساني، بل أصبحت مرتبطة أيضاً باعتبارات اقتصادية ولوجستية وأمن سلاسل التوريد، خاصة بعد التحديات التي واجهتها التجارة العالمية في البحر الأحمر وأوكرانيا والطاقة، ما رفع من أهمية وجود شريك مستقر في قلب المنطقة يربط الخليج العربي وأوروبا.
وأوضح أن التغطية الألمانية الاقتصادية للزيارة ركزت بصورة واضحة على اعتبار الأردن شريكاً مستقراً وموثوقاً لألمانيا والاتحاد الأوروبي في منطقة تشهد اضطرابات جيوسياسية متواصلة، وهو ما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي آمن للاستثمار والتنمية والخدمات اللوجستية.
وأوضح أن تركيز سمو ولي العهد خلال اللقاء على التدريب المهني والتقني يعكس فهماً عميقاً للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت المهارات التطبيقية والتكنولوجية أحد أهم عناصر التنافسية الاقتصادية.
وأشار إلى أن ألمانيا تمتلك واحداً من أنجح نماذج التعليم المهني في العالم عبر نظام «التعليم المزدوج»، الذي يربط بين التعليم الأكاديمي والتدريب العملي داخل الشركات والمصانع، وأسهم في خفض بطالة الشباب إلى مستويات تعد من الأدنى أوروبياً.
وأضاف أن هذه الرؤية تتقاطع بشكل مباشر مع منتدى «تواصل 2026» الذي ترعاه مؤسسة ولي العهد تحت شعار «رؤى لفرص الغد»، والذي ركز بصورة لافتة على مستقبل العمل الحر والاقتصاد الرقمي والمهارات التقنية والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال.
وبيّن الحدب أن الاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو نماذج عمل أكثر مرونة قائمة على المهارات الرقمية والعمل المستقل والمنصات الإلكترونية، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن اقتصاد العمل الحر العالمي تجاوز تريليون دولار سنوياً، فيما يعمل أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم ضمن أنماط عمل مرنة أو مستقلة.
وأوضح أن الأردن يمتلك فرصة كبيرة للاستفادة من الخبرات الألمانية في تطوير التدريب المهني والتقني وربطه باحتياجات الاقتصاد الرقمي والعمل الحر، بما يسهم في تمكين الشباب الأردني ورفع جاهزيتهم للمنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.
وأشار الحدب إلى أن الجامعة الألمانية الأردنية تمثل نموذجاً ناجحاً لهذا التعاون الاستراتيجي، حيث أصبحت واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية التطبيقية في المنطقة، وتعتمد بصورة مباشرة على النموذج الألماني في التعليم التطبيقي والتدريب العملي وربط التعليم بسوق العمل.
وأضاف أن الجامعة أسهمت خلال السنوات الماضية في تخريج آلاف الطلبة المؤهلين في مجالات الهندسة والتكنولوجيا والصناعة وإدارة الأعمال والطاقة، كما عززت من نقل الخبرات الألمانية إلى السوق الأردني ورفعت جاهزية الشباب للعمل في القطاعات الحديثة.
وبيّن الحدب أن زيارة سمو ولي العهد تحمل كذلك بعداً اقتصادياً استراتيجياً مرتبطاً بموقع الأردن الجغرافي ودوره المتوقع كمركز لوجستي إقليمي يربط الخليج العربي بأوروبا.
وأوضح أن التحديات التي شهدتها سلاسل التوريد العالمية واضطرابات البحر الأحمر رفعت من أهمية الممرات التجارية البديلة والمستقرة، ما يمنح الأردن فرصة استراتيجية للتحول إلى محور إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية والطاقة.
وأشار إلى أن الأردن يعمل حالياً على مشاريع كبرى في مجالات السكك الحديدية والربط اللوجستي والطاقة، بالتكامل مع السعودية والإمارات، ضمن توجهات إقليمية لربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية عبر الأردن.
وأضاف أن ألمانيا، باعتبارها القوة الصناعية الأكبر في أوروبا، تمتلك مصلحة استراتيجية في دعم هذه الممرات التجارية الجديدة، خاصة مع حاجة الاقتصاد الأوروبي إلى سلاسل توريد أكثر استقراراً وكفاءة وربط أسرع مع أسواق الخليج وآسيا.
وأشار الحدب إلى أن العلاقات الأردنية الأوروبية تشهد تحولاً تدريجياً من نموذج الدعم التقليدي والمساعدات إلى نموذج الشراكات الاقتصادية والاستثمارية القائمة على المصالح المتبادلة ونقل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة إقليمية أكثر استدامة.
وبيّن الحدب أن مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي تحظى ألمانيا بدعم مباشر له، يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في المنطقة، حيث يستهدف تحلية ونقل نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، ما يعزز الأمن المائي ويدعم الاستقرار الاقتصادي والاستثماري في المملكة.
وأشار إلى أن تأكيد سمو ولي العهد أهمية مشاركة ألمانيا في مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المرتقب نهاية العام يعكس توجهاً أردنياً واضحاً نحو جذب استثمارات أوروبية نوعية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.
وأكد الحدب أن التحركات الاقتصادية التي يقودها سمو ولي العهد تعكس نموذجاً متقدماً للدبلوماسية الاقتصادية الحديثة، التي تركز على بناء الشراكات الاستثمارية والتنموية ونقل المعرفة وربط الشباب الأردني بفرص الاقتصاد العالمي الجديد.
وختم الدكتور الحدب بالتأكيد على أن زيارة سمو ولي العهد إلى ألمانيا تمثل رسالة اقتصادية استراتيجية تعكس انتقال الأردن نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنافسية واعتماداً على المهارات والتكنولوجيا والشراكات الدولية، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي التي يقودها جلالة الملك عبداﷲ الثاني، ويعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للاستثمار والخدمات اللوجستية والتنمية المستدامة.