في عيد الاستقلال الثمانين، يستحضر الأردنيون مسيرة وطن جعل من الإنسان محورا للتنمية وغاية للإنجاز، إذ شكل الاستثمار في الإنسان وتعزيز جودة حياته أحد الثوابت التي ارتكزت إليها مسيرة الدولة الأردنية منذ تأسيسها.
وعلى امتداد هذه المسيرة، تواصل وزارة التنمية الاجتماعية ترسيخ دورها بوصفها الجهة الحكومية الرئيسة المعنية بقيادة قطاع التنمية الاجتماعية، عبر تطوير منظومة الحماية والرعاية والتمكين للفئات الأكثر احتياجا، بما يشمل الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والأسر الفقيرة والنساء المعرضات للخطر، إلى جانب تنظيم قطاع الجمعيات والعمل التطوعي وتعزيز التنمية المجتمعية المستدامة.
وبحسب بيانات ومعلومات حصلت عليها «الرأي» من وزارة التنمية الاجتماعية، شهدت الوزارة عبر عقود من التطور المؤسسي والتشريعي مسارا متدرجا عكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها المملكة، وأسهم في ترسيخ مكانة العمل الاجتماعي كأحدى الركائز الأساسية في مسار الدولة وتحديثها.
وتعود البدايات الأولى للعمل الاجتماعي الرسمي في الأردن إلى عام 1936 مع تسجيل الجمعيات الخيرية بموجب قانون الجمعيات الأردني، قبل إنشاء إدارة خاصة للشؤون الاجتماعية عام 1948 ضمن وزارة الداخلية لمعالجة آثار الهجرة الداخلية.
وفي عام 1951 نُقلت الإدارة إلى وزارة الصحة ورفعت إلى دائرة للشؤون الاجتماعية، ثم تطورت عام 1956 إلى «وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل»، قبل أن يحمل عام 1975 اسم «وزارة التنمية الاجتماعية والعمل»، وصولًا إلى انفصالها رسميا عن وزارة العمل عام 1979 لتصبح «وزارة التنمية الاجتماعية».
وشهدت الوزارة خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية في بنيتها التنظيمية والتشريعية، كان آخر صدورها قانون التنمية الاجتماعية رقم (4) لسنة 2024، الذي عزز توجهاتها نحو الحماية الاجتماعية والتمكين والتنمية، إلى جانب استحداث مديريات ووحدات تنظيمية جديدة خلال عام 2025، من أبرزها مديرية مهننة العمل الاجتماعي، ووحدة متابعة الإنجاز والأداء الحكومي، ووحدة التميز والريادة، ومديرية الأبنية والمساكن.
وتقدم الوزارة اليوم حزمة واسعة من البرامج والخدمات الاجتماعية والتنموية، تشمل حماية الأسرة والطفولة، والرعاية الأسرية البديلة والاحتضان، والإشراف على الحضانات ودور الرعاية، وحماية النساء والفتيات المعرضات للخطر، إضافة إلى خدمات كبار السن، وبرامج الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يشمل التدخل المبكر والمراكز النهارية الدامجة والخدمات الإيوائية وبدائل الإيواء.
كما تنفذ الوزارة برامج متخصصة لتأهيل الأحداث وتطبيق العدالة الإصلاحية والبدائل المجتمعية، فضلًا عن برامج مكافحة التسول والرعاية اللاحقة، إضافة إلى برامج تعزيز الإنتاجية وتمكين الأسر الفقيرة من خلال المشاريع الإنتاجية وصناديق الائتمان المحلية ومراكز تنمية المجتمع المحلي.
وفي مجال رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، سجلت الوزارة توسعًا ملحوظًا في خدمات التدخل المبكر، إذ ارتفع العدد التراكمي للوحدات من 28 وحدة عام 2024 إلى 37 وحدة عام 2025، فيما ارتفع عدد الأطفال والأسر المستفيدة من هذه الخدمات من 770 إلى 1420 مستفيدا. كما ارتفع عدد المراكز النهارية الدامجة إلى 30 مركزًا عام 2025، مقارنة بالأعوام السابقة، ليصل عدد المستفيدين إلى 1620 شخصًا.
وفي إطار التحول نحو الرعاية الأسرية والدمج المجتمعي، نجحت الوزارة في دمج 509 أشخاص من ذوي الإعاقة في أسر طبيعية أو بديلة خلال عام 2025، مقارنة بـ125 حالة عام 2024، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تقليل الاعتماد على الإيواء المؤسسي وتعزيز الإدماج المجتمعي.
أما على صعيد الأحداث والأمن المجتمعي، فقد استفاد 1069 حدثا من برامج التدريب المهني والتأهيل خلال عام 2025، فيما أعادت برامج الإدماج الأسري 2841 حدثا للعيش مع أسرهم، بالتزامن مع التوسع في تطبيق العدالة الإصلاحية والبدائل المجتمعية، إذ انتهت 2899 حالة بالتسوية دون حجز، وارتفع عدد الأحداث الخاضعين لإشراف مراقبي السلوك إلى 4790 حالة.
وفي مواجهة ظاهرة التسول، كثفت الوزارة جهودها الميدانية عبر تنفيذ 6524 حملة لمكافحة التسول خلال عام 2025، ضمن نهج يوازن بين الحماية الاجتماعية وإنفاذ القانون ومعالجة الأسباب المرتبطة بالظاهرة.
وعلى صعيد تمكين الأسر وتعزيز التنمية المجتمعية، واصلت الوزارة تنفيذ مشاريع الأسر المنتجة والمشاريع التنموية للجمعيات عبر مراكز تنمية المجتمع المحلي، إذ جرى تمويل 72 مشروعًا للأسر المنتجة خلال عام 2025، إلى جانب تنفيذ 4216 فعالية تدريبية وتوعوية استفاد منها أكثر من 47 ألف مواطن.
كما شهد قطاع الجمعيات والعمل التطوعي توسعًا ملحوظًا، إذ بلغ العدد التراكمي للجمعيات المسجلة في المملكة 6014 جمعية عام 2025، منها 3655 جمعية ضمن اختصاص وزارة التنمية الاجتماعية، في ظل جهود متواصلة لتعزيز الحوكمة والامتثال وتطوير البيئة التنظيمية للعمل التطوعي المؤسسي.
وفي إطار التحول الرقمي، واصلت الوزارة تنفيذ المشاريع المرتبطة به إلى جانب الحكومة الإلكترونية، بما يشمل تطوير نظام المعلومات الإدارية، والسجل الوطني الإلكتروني للعاملين الاجتماعيين، ونظام دراسة الظواهر الاجتماعية والإنذار المبكر، وغرفة المراقبة الإلكترونية المركزية، الأمر الذي أسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة، لتصل نسبة رضا متلقي الخدمة والشركاء إلى 85.7%.
ويأتي هذا التطور المؤسسي والخدمي بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية المحدثة للحماية الاجتماعية للأعوام (2025–2033)، برعاية رئيس الوزراء مندوبًا عن الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وبمشاركة واسعة من المؤسسات الرسمية والشركاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني.
وتشكل الاستراتيجية إطارًا وطنيًا متكاملًا لتعزيز الحماية والرعاية والتمكين الاقتصادي والاجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا، من خلال تطوير خدمات الحماية الاجتماعية، وتعزيز الاستجابة للفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية، وتوسيع برامج التمكين والإدماج المجتمعي، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي وخارطة تحديث القطاع العام.
وتُوجت جهود الوزارة خلال عام 2025 بحصولها على ختم التميز ضمن جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز والريادة عن فئة الوزارات الكبيرة في الدورة التاسعة؛ تقديرًا لجهودها في تطوير الخدمات الاجتماعية والارتقاء بالأداء الحكومي.
وفي عيد الاستقلال الثمانين، تعكس إنجازات وزارة التنمية الاجتماعية صورةً من صور الدولة الأردنية الحديثة، التي واصلت، رغم التحديات، الاستثمار في الإنسان وتعزيز كرامته وتوسيع مظلة الحماية والرعاية، لترسخ نهجًا تنمويًا يقوم على العدالة الاجتماعية والشراكة والمسؤولية الوطنية.