من فوق جبل القلعة تبدو عمان مدينة تتكئ على التاريخ وتمضي بثقة نحو المستقبل؛ مدينة نشأت بين سبعة جبال، وحملت عبر العصور أسماء وحضارات متعددة، من «عمون» إلى «فيلادلفيا»، لتبقى شاهدا حيا على تعاقب الحضارات الإنسانية في قلب المنطقة.
وتعد عمان واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، إذ تبدأ حكايتها من عين غزال، إحدى أقدم القرى الزراعية المكتشفة، والتي كشفت عن تماثيل تعد من أقدم التماثيل البشرية المصنعة في التاريخ. كما تحتفظ المدينة بإرث أثري متنوع يتمثل في المدرج الروماني، وسبيل الحوريات، وآثار رجم الملفوف، وأهل الكهف، وقصر العبد في عراق الأمير، وغيرها من المواقع التي توثق مراحل تاريخية متعاقبة صنعت هوية المدينة الحضارية.
مدينة تنمو بثبات وسط إقليم مضطرب
رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، استطاعت عمان أن تحافظ على استقرارها وتواصل نموها، لتصبح واحدة من أكثر مدن الإقليم أمنا واستقرارا، ومركزا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حيويا في الأردن.
وخلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، شهدت المدينة نقلة نوعية في مختلف القطاعات، مدفوعة برؤية تحديثية تبنتها أمانة عمان الكبرى بتوجيهات ملكية، ركزت على تطوير البنية التحتية، وتحسين جودة الحياة، والتحول الرقمي، وتعزيز الاستدامة البيئية.
توسع عمراني وتحولات ديموغرافية
تضاعف عدد سكان عمان من نحو مليوني نسمة عام 2004 إلى حوالي 4.4 مليون نسمة عام 2025، بما يشكل قرابة 40 بالمئة من سكان المملكة، فيما توسعت المدينة عمرانياً لتضم 22 منطقة إدارية ضمن حدود أمانة عمان الكبرى، متجاوزة حدود التلال السبع التي تأسست عليها.
هذا النمو فرض تحديات تنموية وخدمية كبيرة، دفعت الأمانة إلى تبني خطط حضرية شمولية لتنظيم التوسع العمراني وضبط التنمية الحضرية وتحقيق التوازن بين النمو السكاني والخدمات.
تخطيط حضري واستثمارات ضخمة
وضعت أمانة عمان الكبرى منذ عام 2007 مخططا شموليا للمدينة حاز جوائز دولية في تخطيط المدن، وأسهم في تطوير أنظمة الأبنية والأرصفة، ودراسة محاور النمو العمراني والمشاريع الاستثمارية الكبرى.
كما أصدرت الأمانة عام 2025 نظاما جديدا للتنظيم والتخطيط داخل حدود العاصمة، وبدأت إعداد خطتها الحضرية لعام 2050، في إطار رؤية طويلة الأمد تهدف إلى بناء مدينة أكثر استدامة وذكاء.
وخلال السنوات الماضية، استثمرت الأمانة نحو ملياري دينار في مشاريع البنية التحتية، شملت إنشاء وتعبيد وصيانة الطرق، وتنفيذ الجسور والأنفاق والتقاطعات المرورية، إلى جانب تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار.
وشهدت المدينة أيضا توسعا في الحدائق والمتنزهات العامة، عبر إنشاء وتأهيل عشرات الحدائق والأماكن المفتوحة، من بينها حدائق الحسين وحدائق الملك عبدالله الثاني، إضافة إلى مشاريع جديدة مثل صرح مئوية الدولة وحديقة المئوية وساحة العلم.
مسارات سياحية وإحياء للمشهد الحضري
وفي إطار تعزيز الهوية السياحية والثقافية للعاصمة، أطلقت الأمانة 13 مسارا سياحيا داخل المدينة، تربط بين المواقع التراثية والثقافية، إلى جانب تنفيذ مشاريع لإحياء وسط المدينة التاريخي وتطوير مناطق مثل المحطة، وجبل القلعة، وشارع الرينبو، وشارع الوكالات، وإقليم عراق الأمير السياحي.
كما عملت على تأهيل بيوت شخصيات وطنية وثقافية بارزة، مثل بيت وصفي التل وبيت حابس المجالي وبيت حبيب الزيودي، لتتحول إلى مراكز إشعاع ثقافي تحفظ الذاكرة الوطنية وتثري المشهد الثقافي في العاصمة.
إطار مؤسسي جديد للاستثمار والتنمية
شكل صدور قانون أمانة عمّان عام 2021 محطة مفصلية في مسيرة العمل البلدي، إذ منح المدينة شخصية قانونية مستقلة، وأتاح للأمانة بناء إطار مؤسسي حديث للاستثمار والتنمية.
وفي هذا السياق، تأسست مجموعة «رؤية عمّان» التي تضم شركات متخصصة في النقل والاستثمار ومعالجة النفايات، بهدف تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتطوير الخدمات البلدية وفق معايير حديثة.
النقل العام.. تحول نحو المدينة الذكية
يعد قطاع النقل أحد أبرز ملفات التحول الحضري في عمان، حيث انتقلت صلاحيات تخطيط وتشغيل النقل العام إلى الأمانة عام 2007، لتبدأ بعدها مرحلة تطوير منظومة نقل جماعي حديثة وصديقة للبيئة.
وأطلقت الأمانة شركة «رؤية عمان للنقل» عام 2018، التي تولت تنفيذ مشروع «باص عمان» ومشروع «حافلات التردد السريع»، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تطوير النقل الحضري.
ويضم النظام حالياً 311 حافلة تعمل على 41 مسارا، فيما تجاوز إجمالي عدد مستخدمي منظومة النقل الجديدة 111.5 مليون راكب حتى نهاية الربع الأول من عام 2026.
وشهدت الشبكة توسعات استراتيجية عبر إطلاق خطوط تربط عمّان بالسلط ومادبا، إضافة إلى تشغيل أول خط حافلات كهربائية بالكامل في المملكة على مسار «رغدان – صويلح».
كما عززت الأمانة التحول الذكي في النقل من خلال أنظمة الدفع الإلكتروني، وكاميرات المراقبة، والتكامل مع خرائط Google، ما أسهم في تحسين تجربة المستخدم ورفع كفاءة التشغيل.
الاستدامة البيئية وإدارة الموارد
وضعت أمانة عمّان ملف البيئة والتغير المناخي ضمن أولوياتها، عبر تنفيذ مشاريع لترشيد الطاقة، والتوسع في استخدام الإنارة الموفرة للطاقة (LED)، وتطوير مشاريع الحصاد المائي والطاقة الشمسية والمباني الخضراء.
كما طورت منظومة إدارة النفايات الصلبة من خلال مكب الغباوي الصحي، الذي يُعد أحد أبرز المشاريع البيئية الوطنية، ويضم خلايا صحية متطورة ومشروعاً لإنتاج الطاقة من الغاز الحيوي.
وتعمل الأمانة أيضاً على تعزيز الاقتصاد الدائري عبر مشاريع فرز النفايات وإنتاج السماد العضوي، ضمن توجه يهدف إلى تقليل الطمر وتحسين كفاءة إدارة الموارد.
مدينة ذكية.. مرونة في مواجهة التحديات
في إطار توجهها نحو التحول إلى مدينة ذكية، تبنت الأمانة استراتيجيات للمنعة الحضرية والتكيف مع التغير المناخي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة باللجوء وندرة المياه والطاقة والتقلبات المناخية.
وكانت عمان قد انضمت عام 2014 إلى شبكة «100 مدينة منعة»، وأطلقت لاحقا استراتيجية منعة عمان وخطة التغير المناخي وخطة المدينة الخضراء، التي تستهدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050. كما توسعت المدينة في مشاريع التخضير وزيادة المساحات الخضراء، واعتمدت حوافز للمباني الخضراء وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة.
التحول الرقمي وحوكمة الخدمات
أصبحت أمانة عمان الكبرى أول مؤسسة وطنية تقدم جميع خدماتها إلكترونيا، ضمن خطة للتحول الرقمي وتبسيط الإجراءات ورفع كفاءة الخدمات.
ووصل عدد خدماتها الإلكترونية إلى 143 خدمة، منها 18 خدمة مؤتمتة بالكامل، ما أدى إلى خفض أعداد المراجعين بنسبة قاربت 99 بالمئة.
كما أطلقت الأمانة أنظمة متقدمة مثل نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والتوقيع الإلكتروني، والتراسل اللاورقي، ومركز الاتصال الموحد (102)، ومنصة «عمّان تستمع»، لتعزيز التواصل مع المواطنين وتحسين الاستجابة لملاحظاتهم.
حضور عالمي وجوائز دولية
حصدت عمان وأمانتها العديد من الجوائز والتصنيفات الدولية خلال السنوات الأخيرة، في مجالات التحول الرقمي، والاستدامة، والعمل المناخي، والنقل الذكي، والخدمات الحكومية.
كما أدرجت العاصمة ضمن قائمة المدن القيادية عالمياً في العمل المناخي، وحصلت على جوائز من الأمم المتحدة ومنظمات دولية متخصصة في الإدارة الحضرية والنقل المستدام والخدمات الذكية.
وفي عام 2026، حصلت الأمانة على المركز الثالث في جائزة المدن العربية لفئة المدينة الخضراء، إلى جانب شهادات دولية في الإدارة البيئية والمدن الذكية.
الثقافة والرياضة وجودة الحياة
إلى جانب مشاريع البنية التحتية والخدمات، أولت الأمانة اهتماماً بالتنمية المجتمعية والثقافية والرياضية، عبر إنشاء مراكز ثقافية ومكتبات وحدائق ومرافق رياضية ومراكز شبابية واجتماعية.
كما دعمت فعاليات ثقافية ورياضية كبرى، من بينها معرض عمّان الدولي للكتاب، وماراثون عمان، واستضافة كأس العالم للسيدات تحت 17 عاماً عام 2016.
عمّان 2050.. مدينة ذكية نابضة بالحياة
تمضي أمانة عمان الكبرى اليوم نحو مرحلة جديدة من التخطيط الاستراتيجي، عبر إعداد خطتها للأعوام 2027–2031، والتي تركز على بناء مدينة ذكية، مستدامة، نابضة بالحياة، وقادرة على التكيف مع تحديات المستقبل.
وبين إرثها التاريخي العريق وطموحاتها التنموية الحديثة، تواصل عمّان كتابة سرديتها الخاصة؛ مدينة تجمع بين الأصالة والتجدد، وتقدم نموذجاً حضرياً أردنياً يوازن بين الإنسان والمكان والتنمية المستدامة.