الأب بدر: المسلمون والمسيحيون رسموا معاً لوحة وطنية عنوانها المحبة والاحترام
المفتي الرواشدة: التعايش في الأردن أصل شرعي راسخ وتجسيد عملي لرسالة الإسلام
الأب شرايحة: الاستقلال مسيرة عمل مشتركة لصون الوطن وتعزيز نهضته
في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، يتجدد التأكيد على أن الاستقلال لم يكن مجرد حدث تاريخي أنهى مرحلة من مراحل التأسيس، بل مشروع وطني متواصل يقوم على وحدة الأردنيين وتكاتفهم، وعلى نموذج فريد في العيش المشترك والتسامح واحترام التعددية الدينية، حتى أصبح الأردن واحة أمن واستقرار ورسالة حضارية وإنسانية إلى العالم.
وعلى امتداد ثمانية عقود، نجح الأردن بقيادته الهاشمية في ترسيخ دولة المواطنة وسيادة القانون، وجعل من التنوع الديني والثقافي عنصر قوة وإثراء، حيث شكل المسلمون والمسيحيون معا نموذجا متقدما في الشراكة الوطنية، وأسهموا جنبا إلى جنب في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز مسيرتها التنموية والإنسانية.
واكد رئيس المركز الكاثوليكي للدراسات والاعلام الاب الدكتور رفعت بدر ان الحضور المسيحي متجذر في الأردن، عبر تاريخٍ ضارب جذوره في أعماق هذه الأرض المباركة، تاريخ لم يكن يوما منعزلا أو منفردا، بل سار بتناغم وتوازن مع الحضور الإسلامي، فشكل المسلمون والمسيحيون معا لوحة وطنية فريدة عنوانها الاحترام والمحبة والعيش المشترك.
واوضح الاب بدر ان المسيحيين في الأردن اسهموا عبر العصور إسهامات كبيرة، تجلت في بناء الكنائس، كما في تأسيس المدارس والجامعات والمؤسسات التربوية التي كانت وما زالت، مفتوحة أمام الجميع دون تمييز، مبينا ان الخطاب المسيحي لا يقتصر على عظات القداس داخل الكنائس، بل يمتد إلى رسالة تربوية وإنسانية راقية، تعنى بتنشئة الأجيال على المودة والمحبة واحترام الآخر، فالمسيحية قائمة على مبدأ «الله محبة»، ولذلك لا تكاد تخلو عظة كنسية من الدعوة إلى محبة جميع الناس، وإلى الإخاء الإنساني، وبث روح الطمأنينة في النفوس، وتشجيع الأطفال والشباب على احترام بعضهم بعضا دون تفرقة، انسجاما مع الدستور الأردني الذي يؤكد المساواة بين المواطنين، بعيدا عن أي تمييز في العرق أو الدين أو اللغة.
واضاف الاب بدر انه ومنذ تأسيس الدولة الاردنية الحديثة، كان للمسيحيين حضورا روحانيا عبر الكنائس، وحضورا تربويا عبر المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب حضورٍ إنساني تمثل في خدمة الفقراء والمرضى واللاجئين الذين احتضنهم الأردن بقيادته الهاشمية وشعبه الكريم، منوها الى اننا اليوم ونحن نحتفل بعيد الاستقلال الثمانين، نفتخر بأن الأردن أصبح نموذجا عالميا في الاحترام المتبادل والأخوّة القائمة على الأسس الدينية السليمة في الإسلام والمسيحية. فمنذ التأسيس لم يكن هناك تمييز بين مواطن وآخر، بل ظل الجميع شركاء في بناء الوطن وصناعة مستقبله.
وأكد الاب بدر ان المبادرة الملكية السامية التي أطلقها جلالة الملك عبد الله الثاني، للتحضير لعام 2030، بمناسبة مرور ألفي عام على عماد السيد المسيح في مياه نهر الأردن المباركة، تأتي للتأكيد على المكانة الروحية العالمية للأردن، بوصفه أرض المعمودية ومنطلق الرسالة المسيحية إلى العالم أجمع، مبينا ان الأردن قدم للعالم مبادرات حضارية راقية، في عهد الملك عبدالله الثاني، تعكس حقيقة ما يعيشه الأردنيون مسلمون ومسيحيون على أرض واحدة، ومن أبرزها «رسالة عمّان»، و«كلمة سواء»، و«أسبوع الوئام بين الأديان»، وهي مبادرات جسّدت روح التسامح والحوار، وقدّمت نموذجًا مضيئًا في عالمٍ عانى في أماكن كثيرة من استغلال الدين لإثارة الانقسام والصراعات، مؤكدا انّ الدين في جوهره دعوةٌ إلى الرحمة والمحبة والوئام، وهذا ما نعيشه يوميًا على أرض الأردن، وهذا أيضا ما نحرص على نقله إلى العالم أجمع.
وبين الاب بدر ان الاحتفال بعيد الاستقلال الثمانين مناسبة لتعزيز اللحمة الوطنية المتجذّرة أصلًا في وجدان الأردنيين، لا لإنشائها، فهي قائمة ومتينة، فجميع الأعياد نتقاسمها بمحبة، ومن أوائل المبادرات التي أطلقها الملك عبد الله الثاني بعد تسلّمه سلطاته الدستورية عام 1999 إعلان عيد الميلاد المجيد عطلةً رسمية لجميع المواطنين، في رسالة وطنية وإنسانية تعبّر عن روح الدولة الأردنية، كما أنّ التلاحم الحضاري بين العشائر الأردنية أسهم في ترسيخ العلاقات الأخوية بين المسلمين والمسيحيين، فصار هذا النموذج الأردني عنوانًا للقداسة والعيش المشترك والوئام والتعاون اليومي في سبيل بناء المجتمع وخدمة الإنسان، ونفخر جميعًا بأن نكون أبناء هذا الوطن المبارك، وطن القداسة والمعمودية، وطن المحبة والسلام.
وفي ذات السياق بين المفتي الدكتور محمد حسن الرواشدة ان العيش المشترك في المنظور الإسلامي هو أصل شرعي ثابت وجزء لا يتجزأ من البنية العقائدية والتشريعية للإسلام، والأردن يقدم نموذجاً تطبيقياً حياً أثبت فيه أن هذه المبادئ الدينية يمكن تحويلها إلى واقع معاش وثقافة مجتمعية تبنى عليها الدولة الحديثة إذ تمكن الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة من مأسسة هذا المفهوم ليصبح واحة للأمن، لافتا الى ان الشواهد الدينية للعيش المشترك في الإسلام تتمركز حول «التكريم الإلهي» المطلق لكل إنسان باعتباره إنساناً، بصرف النظر عن دينه، أو عِرقه، أو لونه، وهذا التكريم يشكل الأرضية الصلبة التي تنطلق منها قيم التعايش والقبول بالآخر قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى» وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات: 13)، فالمسلم ينظر إلى هذا الخطاب الرباني على أنه أساس في التفاعل الإيجابي وبناء المصالح المشتركة.
واوضح الرواشدة ان هذا الفهم من شأنه أن يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً تعددياً يقوم على نظام العدل والبر بالآخر لذلك لم يكتفِ الإسلام بترك الآخر يعيش بسلام، بل أوجب على المسلمين الإحسان والعدل معه في المعاملات اليومية والاجتماعية، قال الله تعالى: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الممتحنة: 8)، ولفظة «البر» تنطوي على مرتبة من مراتب الإحسان تقبع على أعلى مراتب الإحسان، والقسط هو العدل المطلق.
واضاف الرواشدة ان القرآن رسم منهج النقاش القائم على الاحترام والحكمة والموعظة الحسنة فقال تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (العنكبوت: 46)، ولذا شدد النبي صلى الله عليه وسلم تشديداً حازماً على حقوق غير المسلمين داخل المجتمع، وجعل حمايتهم من واجبات الدولة والدين، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا مَن ظلم مُعاهَداً، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طِيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» (رواه أبو داود)، وتجسد هذا الأمر من خلال تشريعات سياسية ومواثيق تاريخية كبرى، مثل «وثيقة المدينة المنورة» التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة المنورة، وجاءت بعدها العهدة العمرية التي كتبها الخليفة عمر بن الخطاب لأهل القدس (إيلياء)، وأعطاهم فيها أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وأقرت بعدم هدمها أو الانتقاص منها، وهي العهدة التي صاغت شكل العلاقات الطيبة في بلاد الشام لقرون طويلة.
ونوه الرواشدة ان الأردن اليوم يرسم نموذجاً تطبيقياً وتاريخياً للتعايش حيث تحولت هذه المبادئ الإسلامية والعهود التاريخية إلى ركيزة أساسية من ركائز الدولة واستقرارها المجتمعي، هذا النموذج المرتبط بالقيادة الهاشمية التي تستمد شرعيتها من آل بيت النبوة، فنتج عن ذلك ولله الحمد خطاب إسلامي وسطي ومعتدل يرفض الإقصاء، ويقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين كجزء أصيل من النسيج الوطني في الأردن، فلو تأملنا لوجدنا من فضل الله تعالى علينا تشارك الأردنيين (مسلمين ومسيحيين) في العادات والتقاليد، وتجمعهم العشائرية الإيجابية التي تذوب فيها الفوارق الدينية أمام روابط الدم والوطن، يتجلى ذلك في تقاسم الأفراح والأتراح، والوقوف معاً كصف واحد في مواجهة الأزمات فالكل سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين».
واضاف الرواشدة انه على الصعيد العالمي جاءت المبادرات الأردنية لتبني جسوراً من التواصل الإيجابي وخير مثال يُضرب في هذا المضمار «الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية» والتي لها عمق تاريخي، والأردن الذي يفخر بقيادته الهاشمية يقف خلف جلالة الملك في تمسكه بالوصاية الهاشمية لإيمانه بأنه لن يضيع إرثاً ضارباً في عمق التاريخ وما زال يضطلع الأردن، بدور تاريخي في حماية الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، فالعيش المشترك في الأردن ليس شعاراً استهلاكياً، بل هو صمام أمان للدولة، وعقيدة مجتمعية راسخة تستمد جذورها من سماحة الأحكام الإسلامية وشواهدها المحكمة، وبين ان النموذج الأردني الهاشمي اثبت أن التعددية الدينية مصدر قوة وإثراء للوطن وليست سبباً للضعف أو التمزق، مما جعل المملكة واحة استقرار يشار إليها بالبنان في منطقة تعصف بها النزاعات الطائفية والدينية، ليظل الأردن دائماً الأنموذج الأبهى في التآخي. من جانبه بين الاب محمد جورج شرايحة ان تعزيز روح العيش المشترك والتسامح وقبول الاخر في الكنائس يبدأ من خلال العظات الكنسية والتي نحرص من خلالها على بث روح المحبة والتسامح وتعزيز قيم الانتماء للوطن الواحد اردنيون من شتى المنابت و الأصول وخلال رتبة القداس الإلهي نطلب السلام للعالم أجمع ولأجل الملك والجيش، فالمواطنة قيمة راسخة لدينا نعمل على تعزيزها من خلال الأعمال التطوعية والإنسانية التي نقوم بها ولا نفرق بين مواطن واخر كلنا اخوة، ومن ذلك انه خلال شهر رمضان يقوم أفراد الكشافة الكنسية بتوزيع المياه والتمر على الإشارات الضوئية والصليب يزين لباسهم في صورة تعبر عن الأردن النموذج في العيش المشترك.
واضاف الاب شرايحة ان العيش المشترك في الأردن ثقافة مجتمع و«النموذج الأردني» بالعيش المشترك يقوم على فكرة المواطنة واحترام التعددية الدينية، وذلك يظهر جليا بالمناسبات الوطنية والدينية المشتركة، والعلاقات الاجتماعية بين المسلمين والمسيحيين، إضافة إلى الخطاب الرسمي الداعم لهذا النموذج من العيش المشترك، فيتميز الخطاب الرسمي بانسجامه مع الخطاب الشعبي في وحدة وطنية واحدة تبث رسالة مفادها اننا أخوة مسيحيين ومسلمين.
وأكد الاب شرايحة ان عيد الاستقلال ليس ذكرى عابرة في تاريخ الأردنيين بل عمل مشترك مستمر لأجل نهضة ورفعة المملكة في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمير الحسين.