تتجدد معاني البناء والإنجاز التي رسّختها الدولة الأردنية منذ تأسيسها، ويبرز التعليم العالي بوصفه أحد أهم أعمدة النهضة الوطنية وأبرز أدوات الاستثمار في الإنسان. وفي قلب هذه المسيرة، تقف الجامعة الأردنية باعتبارها أول جامعة وطنية وأحد أبرز الصروح الأكاديمية التي أسهمت في إعداد أجيال من الكفاءات الأردنية والعربية، ورسخت مكانة الأردن مركزًا للعلم والمعرفة والابتكار.
ومنذ تأسيسها عام 1962، ارتبطت الجامعة الأردنية ارتباطاً وثيقا بمسيرة الدولة الحديثة، فكانت مشروعًا وطنيًا هدفه بناء الإنسان الأردني القادر على قيادة التنمية وصون مكتسبات الاستقلال. وعلى امتداد العقود الماضية، واصلت الجامعة تطوير برامجها الأكاديمية والبحثية، وتوسيع حضورها العالمي، لتصبح نموذجا وطنيا يجمع بين جودة التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، وتعزيز الهوية الوطنية.
أكاديميون أردنيون يصنعون الفارق
ضمن هذا المشهد الأكاديمي المتقدم، تبرز نماذج وطنية نجحت في تحويل البحث العلمي إلى إنجازات ذات أثر اقتصادي وتنموي، ومن بينهم الدكتور محمد رسول القطيشات، أحد أبرز الباحثين الأردنيين في مجال الهندسة الكيميائية وتكنولوجيا المياه.
تمكن القطيشات من بناء مسيرة علمية لافتة بدأت بدراسة الهندسة الكيميائية، ثم تعمقت بالحصول على درجة الدكتوراه من جامعة أوتاوا في مجال تحلية المياه وتكنولوجيا الأغشية النانوية. وبعد عودته إلى الأردن، واصل عمله الأكاديمي في الجامعة الأردنية، مستفيدًا من بيئة بحثية متقدمة ومختبرات حديثة وبرامج داعمة للابتكار.
وأسهم هذا الدعم المؤسسي في تطوير أبحاث نوعية في مجالات التقطير الغشائي والأغشية النانوية، ونشر عشرات الدراسات العلمية المحكمة في مجلات عالمية مرموقة، إلى جانب تسجيل براءات اختراع دولية في تقنيات تحلية المياه. كما نجح في تحويل بعض ابتكاراته إلى مشاريع تطبيقية جذبت استثمارات بملايين الدولارات، بما يؤكد قدرة الباحث الأردني على الإسهام في معالجة تحديات المياه والطاقة محليًا وعالميًا.
وتجسد تجربة القطيشات المعنى الحقيقي للاستقلال في بعده المعرفي، إذ تؤكد أن بناء اقتصاد قائم على الابتكار والبحث العلمي هو أحد أهم منجزات الدولة الحديثة، وأن الجامعة الأردنية تؤدي دورا محوريا في احتضان العقول وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
التعليم العالي.. ركيزة أساسية
عميد كلية الآداب في الجامعة الأردنية الدكتور محمد القضاة أكد أن التعليم العالي يُعد من أبرز الإنجازات الوطنية التي رافقت مسيرة الدولة الأردنية منذ الاستقلال، مشيرا إلى أنه تطور من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الريادة الأكاديمية والمعرفية.
وقال إن تأسيس الجامعة الأردنية مثل نقطة تحول مفصلية في مشروع بناء الدولة، إذ أوجد مؤسسة أكاديمية وطنية هدفت إلى إعداد الإنسان الأردني علميا وثقافيا وفكريا.
وأضاف أن الجامعات الأردنية أصبحت اليوم حاضرة في التصنيفات الدولية، ومقصداً للطلبة العرب والأجانب، بفضل جودة التعليم وتطور البحث العلمي والانفتاح على التجارب العالمية.
وأوضح القضاة أن تطور التعليم العالي ارتبط بتطور الدولة الأردنية نفسها، حيث شكّل التعليم أداة رئيسية للصمود والتحديث، مؤكدًا أن الاستثمار في العقل البشري هو الضمانة الحقيقية للاستقرار والسيادة والاستقلال.
الجامعة الأردنية.. حاضنة للوعي والثقافة
وأشار القضاة إلى أن الجامعات ليست مؤسسات لتخريج الكفاءات المهنية فحسب، بل هي أيضا حواضن للوعي الوطني والثقافي، ومنابر لترسيخ قيم الانتماء والولاء والهوية الوطنية وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي.
وبين أن كلية الآداب تؤدي دورا محوريا في ربط الطلبة بتاريخ الأردن وهويته العربية والإسلامية، من خلال برامجها الأكاديمية وأنشطتها الثقافية، مؤكداً أن العلوم الإنسانية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.
وأضاف أن اللغة العربية والتاريخ والفلسفة تشكل ركائز أساسية لبناء الوعي المجتمعي، وأن الحفاظ عليها يمثل ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن العلوم التطبيقية والتكنولوجية، لأن الاستقلال الحقيقي لا يقتصر على السيادة السياسية، بل يمتد إلى الاستقلال الفكري والثقافي.
تحول رقمي غير مسبوق
شهد عام 2025 محطة مفصلية في مسيرة الجامعة الأردنية، مع تنفيذ مشروع وطني متكامل للتحول الرقمي يعد الأول من نوعه على مستوى الجامعات الأردنية.
ويتضمن المشروع رقمنة أكثر من 280 برنامج بكالوريوس وما يقارب 2700 مساق جامعي، إضافة إلى عشرات الآلاف من المواد التعليمية التفاعلية، بما يتيح بيئة تعليمية حديثة توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة في العملية التعليمية.
كما طورت الجامعة أنظمة القبول والتسجيل والتعليم الإلكتروني والخدمات المالية والإدارية، وأطلقت تطبيقا ذكيا موحدا يمكن الطلبة وأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية من متابعة شؤونهم الأكاديمية إلكترونيا بسهولة وكفاءة.
وفي إطار تحديث البنية التحتية، جرى تحويل معظم المدرجات والقاعات إلى قاعات ذكية مزودة بأحدث التقنيات، وربط مباني الجامعة بشبكات إنترنت متطورة، إلى جانب تطوير نحو 70 بالمئة من القاعات التدريسية بدعم حكومي كوري.
مركز التميز في التعليم والتعلم
من أبرز المشاريع الاستراتيجية التي أطلقتها الجامعة إنشاء المبنى الجديد لمركز التميز في التعليم والتعلم بكلفة بلغت عشرة ملايين دولار، بتمويل مشترك بين الجامعة وأحد المتبرعين الأردنيين.
ويهدف المركز إلى تطوير أساليب التدريس الجامعي، وإنتاج محتوى تعليمي رقمي متقدم، وتعزيز الابتكار الأكاديمي، بما يجعل الجامعة الأردنية في طليعة المؤسسات التعليمية التي توظف التكنولوجيا لخدمة التعليم.
وحظي المشروع باهتمام ملكي مباشر، حيث زارت جلالة الملكة رانيا العبدالله المركز واطلعت على مراحل رقمنة المحتوى التعليمي ومختبرات الإنتاج التفاعلي.
تقدم عالمي في التصنيفات الدولية
واصلت الجامعة الأردنية تعزيز مكانتها العالمية خلال عام 2025، محققة نتائج متقدمة في أبرز التصنيفات الأكاديمية الدولية.
ففي تصنيف QS العالمي، تقدمت الجامعة إلى المرتبة 324 عالميا، لتصبح ضمن أفضل 350 جامعة في العالم، كما ارتفع عدد تخصصاتها المصنفة دوليا من 19 إلى 25 تخصصا.
وفي تصنيف شنغهاي، وصل عدد التخصصات المدرجة إلى ستة تخصصات، مقارنة بأربعة تخصصات في العام السابق، فيما حلت في المركز الرابع عربيا والأول محليا في التصنيف العربي للجامعات.
كما حافظت الجامعة على حضور رقمي قوي بحصولها على المرتبة الخامسة عربيا في تصنيف ويبومتركس، الذي يقيس جودة وتأثير المحتوى الأكاديمي المنشور إلكترونيا.
اعتمادات دولية وبرامج حديثة
وسعت الجامعة نطاق الاعتمادات الدولية لبرامجها الأكاديمية، حيث بلغ عدد البرامج المعتمدة دوليا 59 برنامجًا، مع تقدم 13 برنامجًا إضافيا للحصول على الاعتماد.
كما أطلقت برامج متخصصة تواكب احتياجات سوق العمل، منها دبلوم في الذكاء الاصطناعي، ومنصة متقدمة في الأمن السيبراني، وبرنامج هندسة صيانة الطائرات بالتعاون مع جورامكو.
وتنفذ الجامعة أيضا مشروع المعهد الكوري الأردني للتدريب الهندسي والتكنولوجي، بكلفة تقارب 11 مليون دولار، لتأهيل الطلبة في مجالات الأتمتة والطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي.
إنجازات طبية وبحثية نوعية
واصل مستشفى الجامعة الأردنية دوره كمركز طبي أكاديمي متقدم، محققا إنجازات نوعية، من أبرزها إجراء أول عملية زراعة صمام رئوي بالقسطرة، وافتتاح وحدة عناية مركزة حديثة، والحصول على اعتماد المؤسسات الصحية للمرة السابعة على التوالي.
وفي مجال البحث العلمي، افتتحت الجامعة أول مختبر من المستوى الثالث للسلامة الحيوية (BSL-3) لدراسة الفيروسات عالية الخطورة، في خطوة تعزز منظومة الأمن الصحي الوطني.
كما دخل 48 باحثا من الجامعة ضمن قائمة أفضل 2 بالمئة من العلماء عالميا وفق قاعدة بيانات Scopus، وفاز عدد من أساتذتها بجوائز علمية مرموقة على المستويين المحلي والدولي.
شراكات دولية واسعة
وسعت الجامعة شبكة شراكاتها مع جامعات ومراكز بحثية عالمية في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا، شملت مؤسسات أكاديمية مرموقة في مجالات الطب والهندسة والطاقة والتكنولوجيا الطبية.
وتسهم هذه الشراكات في دعم البحث العلمي، وتبادل الخبرات، وإتاحة فرص تدريب وتطوير للطلبة والباحثين، بما يعزز مكانة الجامعة مركزا إقليميا للعلم والمعرفة.
حضور طلابي وإعلامي متميز
وسجل طلبة الجامعة حضورا لافتا في البطولات الرياضية والمسابقات العلمية والمؤتمرات الدولية المتعلقة بالمناخ والاستدامة وريادة الأعمال.
كما افتتحت الجامعة مختبر التعليم الدامج لذوي الإعاقة، وأنشأت أول مركز وطني للرياضات الإلكترونية بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.
وعلى الصعيد الإعلامي، أطلقت إذاعة الجامعة دورة برامجية جديدة وبرنامج «ملهم» للبودكاست، إضافة إلى قناتها الرسمية على تطبيق واتساب، التي عززت التواصل المباشر مع الطلبة وسجلت أكثر من 100 مليون مشاهدة للمحتوى الرقمي.
الاستقلال.. قصة علم وبناء إنسان
ويعكس حصاد الجامعة في عام 2025 قدرتها على مواكبة التحولات العالمية، وتقديم نموذج وطني يجمع بين التميز الأكاديمي والبحث العلمي والابتكار وخدمة المجتمع.
وبينما يحتفل الأردن بثمانين عاما من السيادة والإنجاز، تواصل الجامعة الأردنية أداء رسالتها باعتبارها منارة علمية ووطنية، وحاضنة للكفاءات التي تسهم في بناء مستقبل أكثر ازدهارا واستدامة، وتجسد حقيقة أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم مكتسبات الاستقلال.