في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، تتجدد في العقبة صورة الوطن الذي صنع من الإرادة مشروع دولة، ومن التحديات مسيرة إنجاز متواصلة. فمن أقصى جنوب المملكة، تبرز العقبة بوصفها واحدة من أبرز قصص النجاح الوطنية، بعدما تحولت من مدينة ساحلية هادئة إلى مركز اقتصادي واستثماري وسياحي ولوجستي يشكل بوابة الأردن إلى العالم، ويجسد رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين وسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في بناء اقتصاد حديث قائم على التنافسية والابتكار والاستدامة.
مشروع وطني غيّر وجه المدينة
وأكد رئيس مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة شادي رمزي المجالي أن تأسيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة عام 2001 شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ المدينة، إذ أعاد صياغة مفهوم التنمية في الأردن، وحوّل العقبة إلى منصة اقتصادية متكاملة تمتد آثارها إلى مختلف محافظات المملكة.
وقال إن العقبة نجحت خلال ربع قرن في استقطاب استثمارات تجاوزت 20 مليار دينار، فيما ارتفع عدد الشركات المرخصة إلى نحو خمسة آلاف شركة، الأمر الذي يعكس الثقة المتزايدة بالبيئة الاستثمارية في المدينة، وما توفره من حوافز وتشريعات مرنة وبنية تحتية متطورة.
وأضاف أن قطاع الموانئ شهد قفزة نوعية من خلال تطوير موانئ الطاقة والتعدين والميناء الرئيسي، لترتفع القدرة التشغيلية إلى أكثر من مليون حاوية سنويًا عبر 12 ميناء و32 رصيفًا، ما عزز مكانة العقبة كمركز لوجستي رئيسي على البحر الأحمر.
وأشار المجالي إلى أن هذا النمو انعكس مباشرة على سوق العمل، حيث سجلت العقبة أدنى معدل بطالة بين محافظات المملكة بنسبة 14.8 بالمئة، بفضل برامج التدريب والتأهيل المنتهي بالتشغيل، والشراكات الفاعلة مع القطاع الخاص، التي وفرت فرصًا حقيقية للشباب الأردني.
وبيّن أن العقبة تمضي بثبات نحو اقتصاد المعرفة من خلال مركز العقبة الرقمي، ودعم حاضنات الأعمال، وتشجيع الريادة والابتكار، إلى جانب مشاريع الاقتصاد الأزرق والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، التي تعزز مكانة المدينة كنموذج وطني في التنمية المستدامة.
وفي القطاع السياحي، أصبحت العقبة وجهة عالمية تستقطب قرابة مليوني زائر سنويًا، مدعومة بـ101 فندق وأكثر من 6500 غرفة فندقية، وتنوع سياحي يجمع بين السياحة البحرية والبيئية والمغامرات، إلى جانب ما يوفره وادي رم من قيمة عالمية بعد إدراجه على قائمة التراث العالمي.
كما شملت مسيرة التطوير تنفيذ مشاريع كبرى في البنية التحتية، منها تطوير الواجهة البحرية والكورنيش، وتوسعة مطار الملك الحسين الدولي، وتحديث شبكات الطرق والنقل، وإعداد المخطط الشمولي للعقبة 2040 الذي يرسم ملامح مدينة المستقبل.
مشاريع تنموية تمس حياة المواطنين
وأكد محافظ العقبة أيمن العوايشة أن عيد الاستقلال الثمانين يجسد مسيرة وطن واصل البناء والتحديث رغم التحديات، مشيرًا إلى أن المحافظة تنفذ 56 مشروعًا تنمويًا خلال عام 2025 في قطاعات البنية التحتية والتعليم والصحة والمياه والطرق والطاقة، إلى جانب مشاريع التشغيل وتمكين المرأة والشباب ودعم الأنشطة الثقافية.
وأوضح أن موازنة عام 2026 تتضمن مشاريع جديدة، من أبرزها المركز الثقافي، ومبنى الأحوال المدنية، ومستودع الأدوية واللوازم غير الطبية، وإنشاء مدرستين في لواء القويرة، بما يعزز مستوى الخدمات وجودة الحياة في مختلف مناطق المحافظة.
من جهته، أكد رئيس لجنة مجلس محافظة العقبة موسى الدردساوي أن العقبة تمثل المعنى الحقيقي للاستقلال باعتباره مشروعًا وطنيًا متواصلًا للبناء والتنمية، وأن ما تشهده من إنجازات نوعية يعكس نجاح الدولة الأردنية في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
الاستثمار في الإنسان
وأكد مدير التربية والتعليم الدكتور عبد الوهاب الحجاج أن العقبة أصبحت خالية من المدارس المستأجرة، في إنجاز يعكس التطور الكبير في البنية التحتية التعليمية، ويؤكد أن الاستثمار في التعليم يظل أحد أهم ثمار الاستقلال.
وأوضحت مديرة صحة العقبة الدكتورة صبا الشريدة أن القطاع الصحي شهد تطويرًا وتأهيلًا لعدد من المراكز الصحية، وتحسينًا في الخدمات الإلكترونية والطبابة عن بُعد، إضافة إلى إنشاء مستودعات أدوية جديدة لضمان استدامة الخدمات الطبية.
وأشار مدير ثقافة العقبة طارق البدور إلى أن المحافظة تشهد حراكًا ثقافيًا متناميًا يعزز الهوية الوطنية ويدعم المواهب الشبابية ويحافظ على الموروث الثقافي الأردني.
وأكدت مديرة التنمية الاجتماعية الدكتورة حنان المشاعلة أن العقبة أصبحت نموذجًا للتكامل بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تمكين المرأة والشباب وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية ودعم الجمعيات والمؤسسات المجتمعية.
التنمية تصل إلى كل مكان
وفي وادي عربة، أكد رئيس لجنة البلدية الدكتور جمال عبيدات أن المنطقة شهدت تطورًا ملموسًا في مشاريع التعليم والبنية التحتية والاستثمار والتنقيب عن المعادن، بما يعزز العدالة التنموية ويوفر فرصًا جديدة لأبناء المنطقة.
وفي الديسة ووادي رم، أوضح رئيس بلدية حوض الديسة حرب العويضات أن المنطقة تمتلك مقومات استراتيجية في السياحة والزراعة والمياه، ما يجعلها رافعة اقتصادية وتنموية تسهم في تعزيز الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل.
وأكدت رئيسة بلدية قطر ورحمة المهندسة رباب الكباريتي أن ما تحقق في قرى العقبة يجسد حقيقة أن الاستقلال ليس مناسبة وطنية فحسب، بل مسيرة متواصلة من البناء والعمل والإنجاز.
العقبة.. عنوان وطني للمستقبل
في عيد الاستقلال الثمانين، تواصل العقبة ترسيخ مكانتها بوصفها مدينة أردنية صنعت نموذجًا متقدمًا في الاستثمار والتنمية المستدامة وبناء الإنسان. وبين الموانئ الحديثة، والمشاريع السياحية، والمدارس والمراكز الصحية، والفرص التي تتوسع عامًا بعد عام، تؤكد العقبة أن الأردن بقيادته الهاشمية يمضي بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا، وأن الاستقلال ما زال يتجدد كل يوم في مشروع وطني لا يتوقف.