ثمانون عاماً من المجد والكرامة يسطرها الأردن في الخامس والعشرين من أيار، حيث يقف أبناؤه وبناته بكل فخر لاستذكار محطة وطنية خالدة شكّلت فجر الدولة الأردنية الحديثة.
ففي مثل هذا اليوم أعلن الوطن استقلاله، ليعتلي قمم العز وينطلق نحو بناء دولة رسّخت حضورها بعزيمة قيادته الهاشمية الحكيمة، وإرادة شعبه الوفي الذي لا يعرف المستحيل.
وفي عيد الاستقلال، لا يستحضر الأردنيون مجرد ذكرى وطنية، بل يوثقون قصة وطن صاغت فصوله التضحيات والولاء والانتماء الصادق، ليؤكدوا للعالم أن الأردن سيبقى ماضياً بثبات ورؤية طموحة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وعزة وازدهاراً.
البدارين: الجيش والأمن.. درع الوطن وسياجه المنيع
وفي هذا السياق، شدّد اللواء الركن المتقاعد شامان البدارين على أن الخامس والعشرين من أيار يمثل محطة تاريخية مفصلية في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة، بقيادة هاشمية حملت رسالة البناء والنهضة، ورسخت مبادئ الثورة العربية الكبرى القائمة على الحرية والكرامة والوحدة.
وأشار البدارين إلى أن الأردن استطاع خلال ثمانية عقود بناء مؤسسات قوية وترسيخ حضوره الإقليمي والإنساني، بفضل وعي الأردنيين والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية.
وفي حديثه عن القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، ومديرية الأمن العام، وكافة الأجهزة الأمنية، أوضح البدارين أنها تشكل منظومة وطنية واحدة ودرع الوطن الحامي وسياجه المنيع، مؤكداً أن تضحيات نشامى الجيش العربي والأمن العام والأجهزة الأمنية كانت وما تزال عنواناً للفداء والوفاء والانتماء، وأنهم يواصلون أداء واجبهم في حماية أمن الوطن وسيادة القانون، بما يعزز مكانة الأردن كواحة للأمن والاستقرار.
وأضاف أن الاهتمام بتطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية شكّل نهجاً ثابتاً للقيادة الهاشمية منذ عهد الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين، وصولاً إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي أولى هذه المؤسسات رعاية خاصة وحرص على تطويرها المستمر بما يعزز دورها في حماية الوطن وصون منجزاته.
كما نوّه اللواء البدارين بدور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، مؤكداً أنه يمثل نموذجاً للشباب الأردني القريب من الميدان، والداعم للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والحامل لرؤية مستقبلية تقوم على العمل والإنجاز وتعزيز قيم الانتماء.
وفي هذا الإطار، أكد أن المتقاعدين العسكريين سيبقون على الدوام رديفاً للقوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، ورهن إشارة جلالة الملك عبدالله الثاني، حاملين رسالة الوفاء والانتماء التي تربوا عليها في ميادين الشرف والعطاء.
واختتم اللواء البدارين حديثه بالتأكيد على أن الأردنيين يجددون في هذه المناسبة الوطنية عهد الولاء والانتماء للوطن وقيادته الهاشمية، مؤمنين بأن الاستقلال سيبقى رسالة عمل وعطاء وتكاتف للحفاظ على أمن الأردن واستقراره ومكانته بين الأمم.
الأردن.. قصة استقلال وشموخ متجدد
وقال اللواء الركن المتقاعد موسى الخليلي إن ذكرى الخامس والعشرين من أيار تتجدد في قلوب الأردنيين باعتبارها قصة وطن صنعتها الإرادة والتضحيات، مؤكداً أن عيد الاستقلال ليس مجرد مناسبة تاريخية، بل محطة وطنية تستحضر معاني العز والفخر، وتجدد العزم على مواصلة مسيرة البناء والإنجاز تحت الراية الهاشمية.
وأضاف أن الاستقلال كان ثمرة جهود عظيمة وتضحيات جسام قادها الهاشميون الأوائل، وسطرها الآباء والأجداد بدمائهم الزكية، ليقام صرح الدولة الأردنية الحديثة على مبادئ العدل والحرية والكرامة، مشيراً إلى أن الأردن واصل منذ ذلك الحين مسيرته بثبات، متجاوزاً التحديات، ومحافظاً على هويته العربية الأصيلة وقيمه الإسلامية السمحة.
وأكد أن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي المصطفوي – كانت وما تزال الحصن المنيع للوطن، والسياج الذي يحمي منجزاته وأمنه واستقراره، مبيناً أنها ستبقى عنواناً للشرف والبطولة والتضحية والفداء.
وأشار اللواء الخليلي إلى أن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، يواصل حضوره نموذجاً في الاعتدال والتسامح، وركيزة للأمن والاستقرار في المنطقة، لافتاً إلى أن الوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة الهاشمية يشكلان صمام الأمان في مواجهة مختلف التحديات.
ودعا إلى أن تكون ذكرى الاستقلال دافعاً لتعزيز الانتماء الوطني والعمل بروح الفريق الواحد من أجل رفعة الأردن وازدهاره، وغرس قيم الولاء والعطاء في نفوس الأجيال القادمة، ليواصلوا حمل الراية واستكمال مسيرة البناء والعطاء.
وأكد اللواء الخليلي بالتأكيد على أن الأردن سيبقى بقيادته وشعبه واحة أمن واستقرار، سائلاً الله أن يحفظ الوطن ويديم عليه نعمة الأمن والأمان تحت الراية الهاشمية الخفاقة.
الاستقلال الأردني.. استقلال خادم للأمة
وقال العقيد الركن المتقاعد والمؤرخ الأردني الدكتور بكر خازر المجالي إن الأردن يصل إلى الذكرى الثمانين للاستقلال، مؤكداً أن مسيرة الدولة الأردنية انتقلت عبر مراحل متتالية من البناء والتطور، وأنها تواصل اليوم تقدمها بثبات نحو المستقبل، مستندة إلى إنجازاتها ومواقفها العربية والقومية، وإلى ما قدمته من تضحيات وإخلاص في دعم القضية الفلسطينية وأهالي غزة.
ويؤكد د.المجالي أنه عند استحضار محطة الاستقلال لا بد من العودة إلى المسار التاريخي منذ البدايات الأولى لتشكل الدولة، مشيراً إلى أن الأمير عبدالله بن الحسين وضع الأساس الفعلي للدولة الأردنية في ظروف بالغة التعقيد، واجهت خلالها المشروع الوطني تحديات وضغوطاً متعددة، من بينها مقاومات مرتبطة بالسياقات السياسية الإقليمية آنذاك، غير أن تماسك القيادة والشعب والجيش أسهم في ترسيخ الدولة وحماية مسار نشأتها.
ويشير إلى أن صدور «القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن» شكّل محطة تأسيسية مهمة، حيث أُطلق اسم «إمارة شرق الأردن» رسمياً للمرة الأولى في السادس عشر من نيسان عام 1928، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة ومؤسساتها، تزامنت مع بدايات الحياة الديمقراطية وتشكيل المجالس التشريعية المنتخبة التي تعاقب منها خمسة مجالس.
وفي السياق ذاته، يلفت د.المجالي إلى أن توقيع المعاهدة الأردنية البريطانية الأولى في العشرين من شباط عام 1928 شكّل نقطة تحول في العلاقة السياسية، إذ اعتُبرت الإمارة بموجبها كياناً ذا إدارة مستقلة يتمتع بصلاحيات داخلية.
ويتابع أن الجهود الدبلوماسية الأردنية الهادفة إلى إنهاء الانتداب البريطاني بدأت بشكل واضح في مطلع الأربعينيات، إذ يعود أول تحرك موثق إلى السادس من كانون الثاني عام 1942، وفي تموز من العام ذاته، تلقت الحكومة الأردنية رسالة من الحكومة البريطانية موجهة إلى سمو الأمير عبدالله، تضمنت إشعاراً بنيّة بريطانيا إنهاء الانتداب بعد انتهاء الحرب وتنظيم العلاقة مع الأردن عبر معاهدة جديدة.
كما يشير إلى أن رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى التقى وزير الدولة البريطاني إدوارد كريج في الشهر ذاته، حيث سلّمه رسالة من الأمير عبدالله أكد فيها أن الأردن ما يزال تحت الانتداب، في حين نالت دول عربية أخرى استقلالها، غير أن الرد البريطاني كان متحفظاً بحجة استمرار الحرب، مع الدعوة إلى التريث.
ويضيف د.المجالي أن الأردن واصل تحركاته السياسية والدبلوماسية، فوجه مذكرة رسمية إلى الحكومة البريطانية في السابع والعشرين من حزيران عام 1945، طالب فيها بفتح مفاوضات جدية لاستكمال الاستقلال التام، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم (48) الذي أكد أن الظروف أصبحت مناسبة لإنهاء الانتداب ونيل الاستقلال الكامل.
وفي اليوم نفسه، أرسل الأمير عبدالله رسالة إلى المندوب السامي البريطاني في القدس، أكد فيها ثقة الأردن بأن بريطانيا ستتعامل مع هذا المطلب بما يحقق تطلعات الشعب الأردني نحو الاستقلال.
ويتابع أن المندوب السامي البريطاني قام في الرابع والعشرين من تموز عام 1945 بإحالة المذكرة الأردنية إلى وزير المستعمرات، مرفقة بتوصية تدعو إلى بدء المفاوضات مع الأردن، محذراً من خسارة مشاعر الصداقة القائمة، ومشيراً إلى أن انتهاء الحرب في أوروبا يفتح المجال أمام تسوية سياسية جديدة.ومع وصول كليمنت أتلي إلى رئاسة الحكومة البريطانية خلفاً لوينستون تشرشل، بعث الأمير عبدالله رسالة تهنئة، أشار فيها إلى قلق الرأي العام الأردني من تأخر حسم ملف الاستقلال مقارنة بدول عربية أخرى، مؤكداً ضرورة التعجيل في اتخاذ القرار، وربط ذلك بالتطورات الإقليمية في فلسطين وسوريا،كما أرفق رسالة أخرى إلى المندوب السامي اللورد غورت، شدد فيها على ضرورة الاطمئنان إلى جدية الحكومة البريطانية في تحقيق تطلعات الأردن، وإنهاء حالة الترقب الشعبي المستمرة.
ويشير د. المجالي إلى أنه في السادس عشر من كانون الثاني عام 1946، أعلن وزير الخارجية البريطاني أرنست بيفن خلال اجتماع هيئة الأمم المتحدة اعتراف بريطانيا بأن شرق الأردن بلغ مستوى يؤهله لإنهاء الانتداب ومنحه الاستقلال التام، مع تأكيد اتخاذ خطوات سريعة لإعلان قيام دولة مستقلة ذات سيادة.
ويضيف أن الأردن احتفل في اليوم ذاته بهذا الإعلان التاريخي، حيث عمّت الاحتفالات مختلف مناطق المملكة، وتدفقت برقيات التهنئة إلى الديوان الملكي الهاشمي، واستمرت الاحتفالات عدة أيام بدأت في السابع عشر من كانون الثاني عام 1946.
وفي الثاني والعشرين من شباط عام 1946، غادر جلالة الملك عبدالله الأول إلى بريطانيا في زيارة رسمية بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني، يرافقه وفد رسمي برئاسة رئيس الوزراء إبراهيم هاشم، حيث جرت مباحثات انتهت إلى توقيع معاهدة صداقة وتحالف في الثاني والعشرين من آذار عام 1946، منحت الأردن صلاحيات واسعة في إدارة شؤونه الداخلية والدفاع، ووقّعها عن الجانب الأردني إبراهيم هاشم، وعن الجانب البريطاني وزير الخارجية أرنست بيفن. ويتابع أن مشروع المعاهدة عُرض على الحكومة الأردنية، وتمت المصادقة عليه في الثلاثين من آذار عام 1946، قبل أن يعقد المجلس التشريعي الخامس دورة استثنائية في الثاني والعشرين من أيار من العام ذاته، أقر خلالها تعديلات جوهرية على القانون الأساسي شملت استبدال مسمى «صاحب السمو الأمير» بـ«صاحب الجلالة الملك»، و«الأمير» بـ«الملك»، و«شرق الأردن» بـ«المملكة الأردنية الهاشمية».
ويضيف أنه في الخامس والعشرين من أيار عام 1946 أُعلن الاستقلال رسمياً، وصادق عليه جلالة الملك بعد إقرار المجلس التشريعي، ليبدأ بذلك عهد الدولة الأردنية المستقلة بصيغتها الدستورية الجديدة.
ويؤكد د.المجالي أن هذا التسلسل التاريخي يعكس مسار الاستقلال الوطني الأردني، مشيراً إلى أنه مع الاحتفال بالعيد الثمانين للاستقلال، يستحضر الأردنيون خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في عيد الاستقلال الستين بتاريخ الخامس والعشرين من أيار عام 2006، والذي شدد فيه على ارتباط الأردن برسالة الثورة العربية الكبرى، وعمق انتمائه العربي والإسلامي، وحرصه على أداء دوره القومي والديني تجاه القضايا العربية والإسلامية، ورفض أي علاقة على حساب الأمة.
ويختتم د.المجالي بالتأكيد أن الأردن سيبقى، كما كان، وطناً للعزم والكبرياء، مستنداً إلى جيشه الباسل وأجهزته الأمنية وشعبه الوفي، ومواصلاً أداء دوره القومي والإنساني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ليظل الأردن حاضراً في قلب قضايا أمته العربية.
الاستقلال الأردني: مسيرة بناء الإنسان وصناعة الوعي عبر الأجيال
وقالت الدكتورة حنان خلوف، باحثة وأكاديمية حائزة على المركز الأول عربيًا في مسابقة صانعات التغيير 2025، إن الاحتفال بالاستقلال الثمانون للمملكة يستحضر حقيقة أن هذا الإنجاز لم يكن مجرد قرار سياسي، بل ثمرة وعي وقيادة آمنت بأن حرية الوطن لا تكتمل إلا بحرية الإنسان فيه وصون كرامته.
وأضافت أن الفكر الهاشمي رسّخ مفهوم الاستقلال بوصفه مشروع بناء شعب قبل أن يكون مشروع تحرير، من خلال بناء الإنسان الأردني على قيم العدل والانتماء والمسؤولية، الأمر الذي يضع الجميع اليوم أمام مسؤولية أكبر تتمثل في تحويل هذا الاستقلال إلى استقلال في الفكر، ووعي في الإنتاج، وصناعة أثر لدى كل أردني.
وأكدت خلوف، بصفتها أكاديمية وباحثة، أن الدور اليوم يتمثل في نقل هذه القصة الوطنية إلى الأجيال الجديدة بلغة تلامس عقولهم وقلوبهم، باعتبارهما صنوان لا يفترقان، ويتأثر كل منهما بالآخر.
وأشارت إلى أن استقلال عام 1946 أثبت أن المستحيل يصبح ممكنًا بالإرادة والطموح والعزيمة القوية، داعيةً الجيل الحالي إلى استكمال هذه المسيرة العطرة عبر تحقيق استقلال معرفي واقتصادي يليق بإرث الهاشميين.