يأتي عيد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية ليحمل معه معاني الفخر والاعتزاز بوطن بني بسواعد أبنائه وبناته، وبقي على مدى ثمانية عقود نموذجا في البناء والإنجاز، ومع هذه المناسبة الوطنية العزيزة، تتجدد قيم الانتماء والعمل المشترك، وتتجلى صور مشرقة من العطاء الإنساني والاجتماعي الذي يقوده الأردنيون في مختلف مواقعهم.
وفي مقدمة هذه النماذج، تبرز المرأة الأردنية التي أثبتت حضورها كشريك أساسي في التنمية وصناعة التغيير، مستندة إلى رعاية ملكية متواصلة أكدت أهمية تمكينها وتعزيز مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وقد انعكس هذا الاهتمام الملكي في قصص نجاح ملهمة لنساء استطعن تحويل العمل المجتمعي إلى مشاريع تنموية مستدامة، تركت أثرا واضحا في حياة الأسر والأطفال والشباب في مختلف مناطق المملكة.
وتعد الدكتورة اعتماد الجعافرة واحدة من هذه النماذج المضيئة، إذ جمعت بين نجاحها المهني مديرة للشؤون المالية والإدارية في مديرية تربية المزار الجنوبي، والتزامها العميق برسالة العمل الإنساني.
وأطلقت الجعافرة نحو خمسين مبادرة مجتمعية استهدفت الفئات الأكثر حاجة، وأسهمت من خلال رئاستها لجمعية سيدات شقيرا الغربية الخيرية في ترسيخ نموذج متقدم للعمل الخيري القائم على الاستدامة والشمولية.
وشملت جهود الجمعية دعم الأسر العفيفة والطلبة المحتاجين، وتوفير دروس مجانية في المواد الأساسية، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية وتوعوية لتمكين المرأة وتعزيز ثقتها بنفسها، وتنظيم فعاليات للأطفال أدخلت الفرح إلى قلوبهم.
كما أقامت الجمعية شراكات فاعلة مع مؤسسات وطنية، من بينها الاتحاد النسائي الأردني وجمعية النساء العربيات، للمشاركة في ورش قيادية عززت حضور المرأة في مواقع صنع القرار.
وفي نموذج آخر من العمل التطوعي الشبابي، برزت مبادرة «يوم المرح» التي أطلقتها كلية علوم الرياضة في جامعة مؤتة عام 2017 بإشراف الدكتورة منال طه، لتتحول من فكرة بسيطة إلى مشروع إنساني واسع الأثر.
وخلال ثمانية أعوام، نفذت المبادرة 80 فعالية في عدد من محافظات المملكة، واستهدفت آلاف الأطفال من مختلف الفئات، مقدمة برامج تجمع بين الترفيه والتثقيف والدعم النفسي.
وقالت الدكتورة منال طه الى $ إن المبادرة «رسالة إنسانية متكاملة تسعى إلى إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال، خاصة في المناطق الأقل حظا»، مؤكدة أن البسمة التي ترتسم على وجوه الأطفال تسهم في بناء جيل أكثر توازنا وثقة بالمستقبل.
وتميّزت المبادرة بطابعها المؤسسي، من خلال تقسيم فرق العمل إلى مجموعات متخصصة، واعتماد خطط مدروسة لكل فعالية، إلى جانب بناء شراكات مجتمعية أسهمت في استمراريتها واتساع نطاقها. وفي الأغوار الجنوبية، تبرز جمعية سيدات النقع الخيرية بوصفها نموذجا رائدا في تحويل العمل الخيري إلى مشروع تنموي مستدام يعكس روح العطاء الوطني.
ومنذ تأسيسها عام 2015، نجحت الجمعية في تنفيذ مشاريع نوعية هدفت إلى تحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر احتياجاً، وتوفير فرص عمل للنساء والشباب بدخل شهري مستقر، بما عزز الاعتماد على الذات.
وأكدت رئيسة الجمعية خضراء المحافظة أن الجمعية ركزت على بناء نموذج تنموي مستدام يحقق التمكين الحقيقي للأسر، ويمنح النساء والشباب فرصة الاعتماد على الذات، انطلاقا من إيمانها بأن التنمية تبدأ من داخل المجتمع المحلي.
وأنشأت الجمعية روضة أطفال مجانية تخدم عشرات الأطفال، وقدمت خدمات تعليمية وتأهيلية لفئة ذوي الإعاقات البسيطة، كما نفذت مشروع التغذية المدرسية الذي استفاد منه آلاف الطلبة في مدارس الأغوار من خلال توفير وجبات صحية وفق معايير مدروسة.
ولم تغفل الجمعية الجانب التوعوي، إذ نظمت ورشا ولقاءات هدفت إلى رفع وعي المرأة وتعزيز دورها داخل الأسرة والمجتمع، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية التي تضع المرأة في صلب عملية التنمية.
وتجسد هذه النماذج النسائية والشبابية جوهر الرؤية الوطنية التي تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة، وأن العمل التطوعي يمثل أحد أهم مسارات تعزيز التماسك الاجتماعي.
ومع احتفالات الاستقلال، يتجدد التأكيد على أن ما تحقق من إنجازات لم يكن ممكناً لولا تضافر جهود الأردنيين جميعاً، وأن المرأة الأردنية كانت وما تزال شريكاً فاعلاً في مسيرة البناء، تسهم بعلمها وعملها وعطائها في رسم ملامح مستقبل الوطن.
وتبقى هذه المبادرات الإنسانية امتداداً حياً لروح الاستقلال، تلك الروح التي قامت على الإرادة والعطاء، وتستمر اليوم بسواعد أبناء الأردن وبناته، ليظل الوطن قصة نجاح متجددة عنوانها الخير والإنجاز والانتماء.