تختزن مدينة السلط في أحيائها العتيقة وأسواقها الحجرية الصفراء قصة نشوء الدولة الأردنية الحديثة، بما تمثله من إرث تاريخي وثقافي وحضاري جعلها واحدة من أبرز المدن التي أسهمت في بناء الأردن منذ تأسيس إمارة شرق الأردن وحتى اليوم.
وعُرفت السلط بـ«مدينة الأوائل»، إذ شهدت تأسيس أول بلدية وأول غرفة تجارة وأول مدرسة ثانوية في المملكة، كما احتضنت أولى المؤسسات التعليمية والصحية والتجارية التي أسهمت في تخريج قيادات وطنية بارزة تولت مسؤوليات مهمة في الدولة.
وشكّلت المدينة، أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين، مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً، وكانت أول عاصمة إدارية للأردن، ما منحها مكانة خاصة في التاريخ الوطني.
ومن أبرز المحطات التاريخية التي تؤكد هذه المكانة، إقامة المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول في بيت أبو جابر التراثي عام 1921، والذي تحول لاحقاً إلى متحف السلط التاريخي.
مدينة التسامح والضيافة
وفي عام 2021، تُوجت السلط باعتراف عالمي حين أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي تحت مسمى «السلط: مدينة التسامح وأصول الضيافة الحضرية».
وجاء هذا الإدراج تقديراً لما تمثله المدينة من نموذج فريد للتعايش والوئام الاجتماعي والديني، حيث تتجاور المساجد والكنائس في مشهد يعكس روح التسامح والتكافل التي ميّزت المجتمع السلطّي عبر العقود.
أكثر من ألف بيت تراثي
وقال الباحث في التراث ومدير سياحة البلقاء الأسبق الدكتور إبراهيم المصري إن السلط تتميز بوجود أكثر من ألف بيت تراثي مشيّد بالحجر الأصفر ضمن نطاق جغرافي محدود، إلى جانب عدد كبير من المساجد والكنائس التي يزيد عمرها على مئة عام.
وأشار إلى أن شارع الحمام وشارع الخضر يمثلان قلب المدينة التاريخي، ويحملان رمزية ثقافية ودينية تعكس الانسجام بين أبناء المدينة بمختلف مكوناتهم، مؤكداً أن السلط تعد نموذجاً متكاملاً للتراث العمراني والاجتماعي في الأردن.
دعم ملكي ومشاريع تطويرية
وأكد المصري أن السلط حظيت في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني باهتمام خاص تُرجم إلى سلسلة من المشاريع التطويرية التي هدفت إلى الحفاظ على تراث المدينة وتحويله إلى مورد اقتصادي وسياحي مستدام.
وأوضح أن المشروع الأردني الياباني لتطوير المدينة أسهم في إنشاء ممرات ومسارات سياحية، وتأهيل الأدراج والساحات العامة والمطلات، وربط مختلف المواقع التراثية ببنية تحتية حديثة تواكب الطابع التاريخي للمدينة.
كما شملت المشاريع إعادة إحياء ساحة العين، وترميم الواجهات الحجرية للمباني التاريخية، وتوحيد اللوحات التجارية بما ينسجم مع الهوية البصرية للمدينة. وأشار إلى أن هذه الجهود وضعت السلط على خارطة السياحة التراثية العالمية، حيث تستقطب في الظروف الطبيعية نحو 200 ألف سائح سنوياً.
رؤية تنموية متكاملة
من جهتها، قالت مديرة وحدة تطوير وسط مدينة السلط المهندسة غيداء الخرابشة إن مشاريع التطوير نُفذت استجابة للتوجيهات الملكية، وارتكزت على محاور التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياحية، إلى جانب الحفاظ على التراث الثقافي والعمراني.
وأوضحت أن مشروع تطوير وسط المدينة مر بثلاث مراحل رئيسية شملت تأهيل ساحة العين، ومدرسة عقبة بن نافع، وساحة البلدية، بهدف إحياء المركز التاريخي وتعزيز دوره الاقتصادي والاجتماعي.
وأضافت ان وسط مدينة السلط أُعلن عام 2015 منطقة ذات أحكام تنظيمية خاصة، في خطوة هدفت إلى حماية الإرث العمراني وضمان استدامته وفق أسس قانونية واضحة.
مركز وطني للترميم والحفاظ على التراث
وبيّنت الخرابشة أنه جرى تأسيس أول مركز وطني متخصص في صيانة وترميم الأبنية التراثية، بالشراكة مع الجهات المعنية، لتأهيل كوادر محلية قادرة على تنفيذ أعمال الترميم وفق معايير علمية ومهنية.
وأكدت أن هذا المركز يسهم في خلق فرص عمل جديدة، ورفد السوق بكفاءات متخصصة، وتحويل التراث المعماري والثقافي إلى محرك اقتصادي وتنموي ينعكس أثره المباشر على المجتمع المحلي والقطاع السياحي.
وتبقى السلط، بما تحمله من تاريخ عريق وإرث إنساني فريد، شاهدة على مراحل تأسيس الدولة الأردنية، ونموذجاً وطنياً في كيفية توظيف التراث لصناعة مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.